والتاريخ البشري يؤكد ان الفساد يطم عندما يتعطل منهج السماء، والسماء تتدخل برسالة، وكل رسالة جاءت كان لها خصوم وهم المنتفعون بالشر، وهؤلاء لن يتركوا منهج الله يسيطر ليسلبهم هذه الهيمنة والسيطرة والقهر والجبروت والانتفاع بالشر، بل يحاربون رسالات السماء، ويلفتنا الحق إلى أن أهل الشر والناس المنفلتين من مناهج السماء وغير المتدينين، سيسببون لكم متاعب، فبعدما توطنون أنفسكم التوطين الإيماني انتبهوا إلى خصومكم وإلى أعدائكم في الله لقد قال الحق سبحانه وتعالى في هذه القضية : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ٧١ .
لا يقال لك : خذ حذرك إلا إذا كان هناك عدو يتربص بك ؛ فكلمة " خذ حذرك " هذه دليل على أن هذا الحذر مثل السلاح، مثلما يقولون : خذ بندقيتك، خذ سيفك، خذ عصاك، فكأن هذه آلة تستعد بها في مواجهة خصومك وتحتاط لمكائدهم، ولا تنتظر إلى أن تغير عليك المكائد، بل عليك أن تجهز نفسك قبل ذلك على احتمال أن توجد غفلة منك، هذا هو معنى أخذ الحذر، ولذلك يقول الحق : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( من الآية ٦٠ سورة الأنفال ).
وهذا يعني : إياك أن تنتظر حتى يترجموا عداءهم لك إلى عدوان ؛ لأنهم سيعجلونك فلا توجد عندك فرصة زمنية كي تواجههم. فلابد لكم أيها المؤمنون من أخذ الحذر لأن لكم أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين لا يحبون لمنهج السماء أن يسيطر على الأرض. فحين يسيطر منهج السماء على الأرض فلن يوجد أمام أهواء الناس فرصة للتلاعب بأقدار الناس. ومن ينتفعون بسيطرتهم وبأهوائهم على البشر فلن يجدوا لهم فرصة سيادة.
فانفروا ثبات أو انفروا جميعا أي لتكن النفرة منكم على مقدار ما لديكم من الحذر، و " ثبات " جمع ثبة وهي الطائفة أي انفروا سرية بعد سرية و " جميعا " أي اخرجوا كلكم لمواجهة العدو، وعلى ذلك يجب أن نكون على مستوى ما يهيج من الشر. فإن هاجمتنا فصيلة أو سرية، نفعل كما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كان يرسل سرية على قدر المسألة التي تهددنا، وإن كان الأمر أكبر من ذلك ويحتاج لتعبئة عامة فنحن ننفر جميعا. ولاحظوا أن الحق يخاطب المؤمنين ويعلم أن لهم أغيارا قد تأتي في نفوسهم مع كونهم مؤمنين. فقد تخور النفس عند مواجهة الواقع على الرغم من وجود الإيمان.
ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة :
ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ( من الآية ٢٤٦ سورة البقرة ).
لقد كانوا هم الذين يطلبون القتال، وماداموا هم الذين قد طلبوا القتال فلابد أن يفرحوا حين يأتي لهم الأمر من الله بذلك القتال ؛ لكن الله أعلم بعباده لذلك قال لهم : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ( من الآية ٢٤٦ سورة البقرة ).
فأوضح لهم الحق أن فكروا جيدا في أنكم طلبتم القتال وإياكم ألا تقاتلوا عندما نكتب عليكم هذا القتال لأنني لم أفرضه ابتداء، ولكنكم أنتم الذين طلبتم، ولأن الكلام مازال نظريا فقد قالوا متسائلين :
وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ( من الآية ٢٤٦ سورة البقرة ).
لقد تعجبوا واستنكروا ألا يقاتلوا في سبيل الله، خصوصا أنهم يملكون السبب الذي يستوجب القتال وهو الإخراج من الديار وترك الأبناء، لكن ماذا حدث عندما كتب الحق عليهم القتال ؟ : تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ( من الآية ٢٤٦ سورة البقرة ).
لقد هربت الكثرة من القتال وبقيت القلة المؤمنة. وكانت مقدمات هؤلاء المتهربين من القتال هي قولهم ردا على نبيهم عندما أخبرهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فقالوا : أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يوت سعة من المال ( من الآية ٢٤٧ سورة البقرة ).
كانت تلك أول ذبذبة في استقبال الحكم، فأوضح لهم الحق السر في اصطفاء طالوت، فهو قوى والحرب تحتاج إلى قوة، وهو عالم، والحرب تحتاج إلى تخطيط دقيق ؛ فقال سبحانه : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ( من الآية ٢٤٧ سورة البقرة ).
وعندما جاءوا للقتال أراد الحق أن يمحصهم ليختبر القوي من الضعيف فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ( من الآية ٢٤٩ سورة البقرة ).
والتمحيص هنا ليعرف من منهم يقدر على نفسه وليختبر قوة التحمل عند كل فرد مقاتل، فليس مسموحا بالشرب من ذلك النهر إلا غرفة يد. فشربوا من النهر إلا قليلا منهم، هكذا أراد الحق أن يصفيهم تصفية جديدة، وعندما رأوا جيش جالوت قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ( من الآية ٢٤٩ سورة البقرة ).
وما الضرورة في كل هذه التصفيات ؟ لقد أراد الله ألا يحمل الدفاع عن منهجه إلا المؤمنون حقا، وهم من قالوا : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ( من الآية٢٤٩ سورة البقرة ).
وقوله تعالى : فهزموهم بإذن الله ( من الآية ٢٥١ سورة البقرة ).
لماذا أعطانا ربنا هذه الصورة من التصفيات ؟ كي نفهم أن النفس البشرية حين تواجه بالحكم نظريا لها موقف، وحين تواجه به تطبيقا لها موقف ولو بالكلام، وحين تواجه به فعليا يكون لها موقف، وعلى كل حال فقليل من قليل وهم الذين نصرهم الله. إذن فيريد سبحانه أن يربي في نفوسنا أنه جل وعلا هو الذي يهزم، وهو الذي يغلب مصداقا لقوله الحق : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ( من الآية ١٤ سورة التوبة ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي