ولئن أصابكم فضل من الله ٥٦ أي : ظَفَرٌ وغَنِيمة، " ليقولن " هذا المنافق كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [ الآية ] الجمهور على فَتْح لاَمِ " ليقولن " لأنَّه فِعْل مُسْنَد إلى ضَمِير " من " مبني على الفَتْحِ لأجل نُون التَّوْكِيد، وقرأ الحَسن٥٧ بِضَمِّها، فأسْند الفِعْل إلى ضَمِير " من " أيضاً [ لكن ]٥٨ حملاً له على مَعْنَاها ؛ لأن قوله :" لمن ليبطئن " في معنى الجماعة والأصْلُ : لَيَقُولُونَنَّ وقد تقدَّم تَصْرِيفُه.
قوله : كَأَن لَّمْ تَكُنْ هذه " كأن " المُخَفَّفَةُ [ من الثَّقيلَة ]٥٩ وعملُها باقٍ عند البَصْرِيِّين، [ وزعم الكُوفيُّون أنها حين تَخْفِيفها لا تَعْمَل كما لا تعملُ " لَكن " مُخَفَّفَة عند الجُمْهُور، وإعْمَالُها عند البَصْرِيِّين ]٦٠ غَالباً في ضَمِير الأمْرِ والشَّأن، وهو وَاجِبُ الحَذْفِ٦١، ولا تَعْمَل عِنْدَهُم في ضَمِير غَيْره ؛ ولا فِي اسْم ظَاهِر إلا ضَرُورةً، كقوله :[ الهزج ]
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْر *** كَأنَّ ثَدْيَيْه حُقَّانِ٦٢
وقول الآخر :[ الطويل ]
وَيَوْمَاً تُوَافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ *** كأنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلَى وَارِقِ السُّلَمْ٦٣
في إحْدى الرِّوَايات، وظَاهِرِ كلام سَيَبويْه٦٤ : أنَّها تَعْمَل في غير ضميرِ الشَّأنِ في غير الضَّرُورَة، والجُمْلَة المنْفِيَّة بعدها في مَحَلِّ رَفع خَبَراً لَهَا، والجملة بَعْدَهَا إن كانت فِعليَّة فتكون مُبْدوءَة بِ " قَدْ " ؛ كقوله :[ الخفيف ]
لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ٦٥ لِلْحَرْ *** بِ فَمَحْذُورُهَا كَأنْ قَدْ ألَمَّا٦٦
أو ب " لَمْ " كهذه الآية، وقوله : كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [ يونس : ٢٤ ] وقد تُلُقِيتْ ب " لَمَّا " في قول عمَّار الكلبي :[ الرمل ]
بَدَّدَتْ مِنْهَا اللَِّيَالِي شَمْلَهُمْ *** فَكَأنْ لَمَّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمْ٦٧
قال أبو حيَّان٦٨ : ويحتاج مِثْل هذا إلى سَمَاعِ من العَرَبِ، وقال ابن عَطِيَّة٦٩ :" وكأن " مُضَمَّنة مَعْنَى التَّشْبيه، ولكنها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةَ في الاحْتِيَاج إلى الاسْم والخَبَر، وإنما تَجيءُ بعدها الجُمَل، وظَاهِرِ هذه العِبَارَة : أنها لا تَعْمَلُ عند تَخْفِيفها، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَوْل الكُوفيين لا البَصْرِييِّن، ويُحْتَمل أنه أراد بذلك أن الجُمْلَة بعدها لا تَتَأثَّر بها لَفْظاً ؛ لأن اسْمَهَا مَحْذُوف، والجُمْلَة خَبَرُها.
وقرأ ابن كثير٧٠، وحفص من عاصم، ويعقوب :[ يَكُنْ ] بالياء ؛ لأن المَوَدَّة في مَعْنَى الوُد٧١ [ و ]٧٢ لأنه قد فُصِلَ بَيْنَها وبَيْن فِعْلِها، والبَاقُون : بالتَّاء اعْتِبَاراً بلَفْظِها.
قال الواحدي : وكِلْتَا القراءَتَين قد جاءَ التَّنْزِيل به ؛ قال قَدْ جَاءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ [ يونس : ٥٧ ] وقال : فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ [ البقرة : ٢٧٥ ] فالتأنيث هو الأصْلُ، والتَّذْكِير يَحْسُن إذا كان التَّأنِيثُ غير حَقِيقيّ، لا سيِّما إذا وقع فَاصِل بين الفِعْل والفَاعِل، و " يكُون " يحتمل أن تكُون تَامَّةٌ، فيتعلق الظَّرْفُ بها، أو بِمَحْذُوفٍ، لأنَّه حالٌ من " مودة " إذ هو في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّم عليها، وأن تكُون نَاقِصة، فيتَعَلَّق الظَّرْف بمحذُوفٍ على أنه خَبرَهَا، واخْتَلَفُوا في هَذِه الجُمْلَة على ثلاثةِ أقْوَالٍ :
الأوّل : أنها اعْتِرَاضيَّة لا مَحَلَّ لها من الإعْرَابِ، وعلى هَذَا فما المُعْترض بَيْنَهما ؟ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهَا مُعْتَرِضَة بين جُمْلَة الشَّرْطِ التي هِيَ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ وبين جُمْلَة القَسَم التي هي " وَلَئِنْ أصَابَكُمْ "، والتَّقْدير : فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قال قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً كأن لم تكن بينكم [ وبينه مودة، ولئن أصابكُم فَضْل. فأخرت الجُمْلَة المعترض بها أعني قوله ]٧٣ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ والنية بها التوسط، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتُريدي، وردَّ الرَّاغِب الأصْبَهاني هذا القَوْل بأنَّه مستَقْبَحٌ، لأنه لا يَفْصِل بين بَعْض الجملة [ وبَعْض ]٧٤ ما يتعلَّق بِجُمْلة أخْرَى.
قال شهاب الدين : وهَذَا من الزَّجَّاج كأنه تَفْسِير مَعْنَى لا إعْرَاب، على مَا يأتِي ذِكْرُه عَنْهُ في تفسير الإعْرَاب.
الوجه الثاني : أنها مُعْتَرِضَة بين القَوْل ومَفْعُوله، والأصْل : ليقولنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم كأن لَمْ يكُن، وعلى هذا أكثر النَّاسِ، وقد اخْتَلَفَت عِبَاراتُهم في ذَلِك، ولا يَظْهَرُ٧٥ المَعْنَى إلا بِنَقْل نصوصهم فَلْنَنْقُلْهَا.
فقال الزَّمَخْشَري : اعْتِرَاضٌ بين الفِعْلِ الَّذي هو " ليقولن " وبين مَفْعُولِهِ وهو " يا ليتني " والمعنى : كأنَّه لم يتقدم له مَعَكُم مَوَدَّة ؛ لأن المُنَافِقِين كانوا يُوَادُّون المؤمنين في الظَّاهِرِ، وإن كَانُوا يَبْغُونَ لهم الغَوَائِل في البَاطِنِ، والظَّاهر أنَّه تَهكُّم ؛ لأنهم كَانُوا أعْدَى عَدُوٍّ للمؤمِنِين، وأشدَّهم حَسَداً لهم، فكيف يُوصَفُون بالمَوَدَّة إلا على وَجْهِ العَكْسِ والتَّهَكُّم.
وقال الزَّجَّاج : هذه الجُمْلَة اعْتِرَاضٌ، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنَّهُم كانوا يُوادُّون المؤمنين.
وقال ابن عَطيّة٧٦ : المنافق يُعَاطِي المؤمنين٧٧ المَوَدَّة، ويُعَاهِدُ على الْتِزَامٍ حِلْفِ الإسْلاَمِ، ثم يَتَحلَّف نِفَاقاً وشَكّاً وكُفْراً باللَّه ورسُوله، ثم يَتَمَنَّى عِنْدَما ينكشف الغَيْبُ الظَّفْر لَلمُؤمنين، فعلى هذا يَجِيءُ قَوْلُه :" كأن لم يكن " التفاتة بليغَة، واعْتِراضاً بين القَوْل والمَقُول بِلَفْظٍ يُظْهِر زيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِم.
وقال الرازي : هو اعْتِراضٌ في غاية الحُسْنِ ؛ لأن من أحَبَّ إنْسَاناً فَرح لِفَرَحِه، وحَزِنَ لحُزْنِهِ، فإذا قَلَبَ٧٨ القَضِيَّة فذلك إظْهَارٌ للعَدَاوَة، فحكى - تعالى - سُرُور المُنَافِقِ٧٩ عند نَكْبَةِ المُسْلِمِين، ثم أرَادَ أن يَحْكِي حُزْنه عِنْدَ دَوْلَة المسْلِمِينِ بسبب فَوَاته الغَنِيمَة فقَبْل أن يَذْكُرَ الكَلاَم بتَمَامِهِ، ألْقَى قوله : كَأَن٨٠ لَّمْ تَكُنْ والمراد التَّعَجُّب ؛ كأنه يَقُول : انْظُرُوا إلى ما يَقُولُه هذا المُنَافِقُ كأن لَمْ تكن بَيْنَكُم وبَيْنَهُ مودَّة ولا مُخَالَطَة أصْلاً، والذي حَسَّن الاعتراض بهذه الجُمْلَة وإنْ كان محلها التَّأخِير، كوْنَ ما بَعْدَهَا فَاصِلَة وهيَ لَيْسَت بِفَاصِلَة.
وقال الفَارِسِي : وهذه الجمْلَة من قَوْل المُنَافِقِين للَّذِين أقْعَدُوهُم عن الجِهَادِ ؛ وخَرَجُوا هُمْ كأنْ لم تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْنَه أي : وبَيْن الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - مودَّة، فيخرجكم مَعَهُ لتأخذوا من الغنيمة ليُبَغّضُوا بذلك الرَّسُولَ إليْهم، فأعاد الضَّمِيرَ في " بَيْنَهُ " على النَّبي - عليه الصلاة والسلام -.
وتبع الفارسي في ذَلِكَ مُقَاتِلاً ؛ قال مقاتل : مَعْنَاه : كأنه لَيْسَ من أهل٨١ [ مِلَّتكُم ]٨٢، ولا مودَّة بَيْنَكُم يريد : أن المبطّئ قَالَ لمن تَخَلَّفَ عن الغَزْوِ من المُنَافِقِين وضَعَفَة٨٣ المؤمنين : ومن تَخَلَّف بإذْنٍ كأن لَمْ تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْن مُحَمَّدٍ مودَّة، فيُخْرِجَكُم إلى الجِهَادِ، فَتَفُوزُوا بما فَازَ.
[ القول الثاني : إنها في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، فيكون - تعالى - قد حَكَى بالقَوْلِ جملتين : جُمْلة التَّشْبيه، وجملة التَّمَنِّي، وهذا ظَاهِرٌ على قَوْلِ مُقاتِل والفَارسيٍّ : حيث زعَمَا أن الضَّمِير في " بَيْنَه " للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ]٨٤.
القول الثالث : أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من الضَّمِير المستَتِر في " ليقولن " كما تقول : مررْتُ بزَيْد وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلاً عن مودَّة، ونقل هذا عن الزَّجَّاج، وتَبِعَهُ أبو البَقاءِ في ذلك٨٥.
و " يا " فيها قَوْلاَن :
أحدهما : وهُوَ قول الفَارسيِّ إنها لمُجَرد التَّنْبِيه، فلا يقدَّر مُنادَى مَحْذُوف، ولذلك باشَرَت الحَرْف.
والثاني : أن المُنَادَى مَحْذُوف، تقديره : يا هؤلاء، لَيْتَنِي، وهذا الخلاف جَارٍ فيها إذا باشَرَت حَرْفاً أو فِعلاً ؛ كقراء الكسائيّ أَلاَّ يَسْجُدُواْ [ النمل : ٢٥ ] وقوله :[ الطويل ]
ألاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَة سِنْجَال٨٦ ***. . . ٨٧
وقوله :[ البسيط ]
يا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ من جَبَلٍ ***. . . ٨٨
على القول بفعليّة " حَبَّذَا " ولا يُفعل ذَلِكَ إلاَّ ب " يَا " خَاصَّة، دون سائر حُرُوف النِّدَاء، لأنَّها أمُّ البَابِ، وقد كثرت مُبَاشرَتُها ل " لَيْتَ " دون سَائِرِ الحُرُوف.
قوله :" فأفوز " الجمهور على نَصْبِه في جَوَاب التَّمَنِّي، والكُوفِيُّون يزْعمون نصبه بالخلافِ، والجرميّ يزعمُ نصبه بنفس الفَاءِ.
والصحيح الأوَّل، لأن الفَاء تَعْطِف هذا المَصْدَر المؤوَّل من " أنْ " والفِعْل على مَصْدَر مُتوهَّم، لأن التَّقْدِير : يا لَيْتَ لي كَوْنَاً معهم - أو مُصَاحَبَتهم - فَفَوْزاً٨٩.
وقرأ٩٠ الحسن : فأفُوزُ رفعاً على [ أحدِ وجهيْن :
إما ]٩١ الاستئناف، أي : فأنا أفوزُ.
أو عَطْفاً على " كُنْتُ " ٩٢ فيكون داخِلاً في٩٣ حَيِّز التَّمَني أيضاً، فيكون الكَوْن معهُم، والفَوْزُ العَظيم مُتَمنين جَميِعاً، والمُرَاد بالفَوْزِ العظيم : النَّصِيب الوَافِرُ من الغَنِيمَة.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود