ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا٧١ وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ٧٢ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما٧٣ .
الأستاذ الإمام : الكلام من أول السورة إلى قوله تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا في موضوع خاص وهو ما يكون بين الأهل والأقارب والأزواج واليتامى من المعاملات المالية والمصاهرة والإرث. والآيات من قوله : واعبدوا الله إلى هنا في مطالبة المؤمنين بالإخلاص في العبادة وحسن المعاملة بين الأقربين واليتامى والمساكين والجيران والأصحاب والأرقاء وسائر الناس، وأحكام بعض العبادات وبيان ما فيها من تثبيت النفس على الصدق في المعاملة، ضرب لهم فيها مثل اليهود الذين كان لهم كتاب يهتدون به ونهاهم أن يكونوا مثلهم، وعلمهم كيف يعملون بأمرهم برد الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله. وأكد أمر طاعة الله والرسول وبين حال المنافقين الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت. ولا شك أن المسلمين إذا عملوا بهذه الأحكام صلح حالهم فيما بينهم واستقامت أمورهم وصاروا متحدين متعاونين على الأعمال النافعة وحفظ الجامعة ووثق بعضهم ببعض في التعاون على مصالحهم والدفاع عن حقيقتهم، فالغرض من هذه الوصايا انتظام شمل وصلاح أمورهم الخاصة والعامة.
بعد بيان هذا، أراد الله تعالى أن يوجه المسلمين إلى أمر آخر يلي اجتماعهم على عقيدة واحدة ومصلحة واحدة وانتظام شؤونهم وصلاح حالهم، وهو ما يتم لهم به الأمن وحسن الحال بالنسبة إلى غيرهم. وذلك أنه كان للمسلمين عند التنزيل أعداء يناصبونهم ويفتنونهم في دينهم، والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما الأمن الداخلي والأمن الخارجي، فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات تكون بيننا وبينهم نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا وإما باتقاء شرهم بالقوة، وهذه الآيات في بيان ذلك وهي كثيرة كما يأتي.
أقول كان الأظهر عندي أن يقال إن الله تعالى بين لنا أصل الحكومة الإسلامية في آية الأمانات والعدل، وقوله : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الخ وكان قد بين لنا في هذه السورة كثيرا من مهمات الأحكام الدينية والشخصية والمدنية ( كما يقال في عرف هذا العصر ) ثم شدد النكير على من يرغب عن حكم غيره من أهل الطغيان، بعد هذا كله شرع يبين لنا بعض الأحكام الحربية والسياسية ويبين لنا الطريق الذي نسير عليه في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول المحكمة الحكيمة من الأعداء الذين يعتدون علينا.
ولئن أصابكم فضل من الله كالظفر والغنيمة ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما أي ليقولن قول من ليس منكم، ولا جمعته مودة بكم، يا ليتني كنت معهم فأفوز بذلك الفضل فوزهم، فهو قد نسي أنه كان أخا لكم، وكان من شأنه أن يخرج معكم، وما منعه أن يخرج إلا ضعف إيمانه، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة وهم الذين تشير إليهم الآية التالية.
هذا ما اختاره الأستاذ الإمام في الآية وهو أحد قولين للمفسرين رجحوه بكون الخطاب للذين آمنوا ثم بقوله : وإن منكم ولم يقل فيكم ربما في معناه من قوله : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض [ التوبة : ٣٨ ] والقول الثاني أن هؤلاء المبطئين هم المنافقون لأن هذه الصفات لا تكون إلا لهم فإن المؤمن مهما كان ضعيف الإيمان لا يقول هذا القول عند مصيبة المؤمنين ولا يعد من نعم الله عليه أنه لم يكن معهم شهيدا، بل يستحي من الله عز وجل ويلوم نفسه أن أطاعت داعي الجبن ويستغفر ربه من ذلك، ولا يكون شديد الشره والحرص على المشاركة في الفوز والغنيمة. فالآية في المنافقين سواء كان التبطيء فيها لازما بمعنى الإبطاء أو متعديا بمعنى حمل الناس عليه، وقد أسند الله تعالى كلا المعنيين إلى المنافقين في عدة آيات، والظاهر هنا معنى الإبطاء عن الخروج إذ لو بطأ غيره وخرج هو لكان قد شهد الحرب فلا معنى لسروره إذا أصيبوا، ولا لتمنيه لو كان معهم إذا ظفروا، ويصح أن يقال أن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة رديئة لمثله من منافق أو جبان، ويبطئه أيضا بقوله حتى لا ينفرد بهذا الذنب، فإن الفضيحة والمؤاخذة على المنفرد أشد، وإذا كثر المذنبون يتعسر أو يتعذر عقابهم، ولأجل هذا تتألف العصابات في هذا الزمان للأعمال التي يعاقب عليها الحكام، ولفظ التبطيء يدل على كونه يبطئ غيره بسبب إبطائه، فهو أبلغ من غيره.
هؤلاء الذين اختاروا أن المبطئ هو المنافق قد أجابوا عن جعله من المؤمنين بقوله تعالى لهم : منكم بأنه منهم بالزعم والدعوى أو في الظاهر دون الباطن لأنه كان يعامل معاملة المؤمنين وتجري عليه أحكامهم، وزاد بعضهم وجها ثالثا وهو أنه منهم في الجنس والنسب والاختلاط، وليس بشيء.
يجزم هؤلاء بأن الإيمان ينافي ما ذكر من التبطيء عن القتال من معنييه مع ذينك القولين عند المصيبة، وعند الظفر والغنيمة، فإن من يبطئ ويقول ذلك لا يكون له هم ولا عناية بأمر دينه، وإنما أكبر همه شهواته وربحه من الدين، حتى أنه يعد مصيبة المسلمين نعمة إذا لم يصبه سهم منها. فليحاسب المسلمون في هذا الزمان أنفسهم، ليزنوا بهذه الآيات إيمانهم.
ثم إن قوله تعالى : كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة جملة معترضة بين القول ومقوله، وذكر المودة هنا نكرة منفية في سياق التشبيه في أوج البلاغة الأعلى فهي كلمة لا تدرك شأوها كلمة أخرى ولا تنتهي إلى غورها في التأثير. ذلك بأن قائل ذلك القول الذي لا يقوله من كان بينه وبين المؤمنين مودة ما معدود من المؤمنين الذين هم بنص كتاب الله إخوة بعضهم أولياء بعض، وبنص حديث رسول الله تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، وهم كأعضاء الجسم الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا، فإذا كان هذا مكان كل مؤمن من سائر المؤمنين، فكيف يصدر عن أحد منهم مثل ذلك القول وذلك التمني الذي يشعر بأن صاحبه لا يرى نعمة الله وفضله على المؤمنين نعمة وفضلا عليه، وهو لا يعقل أن يصدر عمن كان بينه وبينهم مودة ما ولو قليلة في زمن ما ولو بعيدا. أعني أن قليلا من المودة كان في وقت ما ينبغي أن يمنع عن مثل ذلك التمني. وفي هذا من التقريع والتوبيخ بألطف القول وأرق العبارة ما لا يقدر على مثله بلغاء البشر، ومن فوائده أن يؤثر في نفس من يذوقه التأثير الذي لا يدنوا من مثله النبز بالألقاب والطعن بهجر القول، التأثير الذي يحمل صاحبه على التأمل والتفكر في حقيقة حاله، ومعاتبة نفسه، فإن كان فيه بقية من الرجاء تاب إلى ربه، ورجع كله إلى حقيقة دينه، هذه هي فائدة تلك الجملة المعترضة ويا لله ما أعجب التشبيه فيها ونفي الكون وتنكير المودة، إنك إن تعط ذلك حقه من التأمل، ويؤتك ذوق الكلام قسطه من البلاغة، فقد أوتيت آية من آيات الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوقين، وكشف لك عن سر من أسرار عجز البشر عن الإتيان بمثل هذا الكتاب المبين.
قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم كأن لم تكن بالتاء، والباقون " يكن " بالياء. ومثل ذلك معروف في التنزيل وكلام العرب فتأنيث الفعل هو الأصل لأن المسند إليه مؤنث، ولكن التأنيث فيه لفظي لا حقيقي ولهذا جاز تذكير الفعل وحسن، ويكثر مثله ولا سيما في حال الفصل أي إذا فصل بين الفعل وفاعله أو اسمه فاصل. ومن الأول قوله : قد جاءتكم موعظة من ربكم ومن الثاني فمن جاءه موعظة من ربه [ البقرة : ٢٧٥ ] ذكر الفعل وقد فصل بينه وبين فاعله بالضمير الذي هو المفعول.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير