إذن فالعلة في قوله : يا ليتني كنت معهم ليست رجوعا عما كان في نفسه اولا، بل هو تحسر أن فاتته الغنيمة، وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا بجملة اعتراضية في الآية تعطينا لقطة إيمانية، فيقول : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما .
والجملة الاعتراضية هي قوله : كان لم تكن بينكم وبينه مودة كان المودة الإيمانية ليس لها ثمن عنده، فلو كان لها أدنى تقدير لكان عليه ألا يقول في البداية : أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولكان مع المقاتلين المسلمين، لكنه يرغب في الفوز والغنيمة فقط، ويبتعد عن المسلمين إذا ما أصابتهم الهزيمة أو استشهد عدد منهم.
وبذلك يكشف لنا الحق موقف المتخاذلين ويوضح لنا : إياكم أن تتأثروا بهؤلاء حين تنفرون ثبات أو حين تنفرون جميعا. واعلموا أن فيكم مخذ لين وفيكم مبطئين وفيكم متثاقلين، لا يهمهم إلا أن يأخذوا حظا من الغنائم، ولذلك يحمدون الله أن هزمتم ولم يكونوا معكم، ويحبون الغنائم ويتمنونها إن انتصرتم ولم يكونوا معكم، اياكم ان تتاثروا بهذا وقد اعطيتم هذه المناعة حتى لاتفاجاوا بموقفهم منكم وتكونوا على بصيرة منهم. والمناعات ما هي إلا تربية الجسم، إن كانت مناعة مادية، أو تربية في المعاني، إن حدث مكروه فأنت تملك فكرة عنه لتبني رد فعلك على أساس ذلك.
ونحن عندما يهاجمنا مرض نأتي بميكروب المرض نفسه على هيئة خامدة ونطعم به المريض، وبذلك يدرك ويشعر الجسم أن فيه مناعة، فإذا ما جاء الميكروب مهاجما الجسم على هيئة نشيطة، فقوي المقاومة في الجسم تتعارك معه وتحاصر الميكروب، فكأن إعطاء حقن المناعة دربة وتنشيط لقوى المقاومة في الجسم، وقد أودعها الله في دمك كي تؤدي مهمتها، كذلك في المعاني يوضح الحق لكم : سيكون منكم من يفعل كذا وكذا، حتى تعدوا أنفسكم لاستقبال هذه الأشياء إعدادا ولا تفاجئون به ؛ لأنكم إن فوجئتم به فقد تنهارون. فإياكم أن تتأثروا بهذا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي