ما أصابك أيها الإنسان من حسنة نعمة فمن الله أنعم عليكم تفضلا منه من غير استحقاق عليه سبحانه واستيجاب فإن كل ما فعله إنسان من الطاعة لو سلم صدروه عنه مشوب بالمعصية قابلا للقبول وإن كان عامرا لجميع أوقاته، فهو مخلوقة لله تعالى نعمة منه تعالى حيث حماه عما لا يرضى عنه ووفقه لمرضاته مستوجب على العبد الشكر على توفيقه فكيف يقتضي عليه استحقاق شيء من ثواب الدنيا أو الآخرة، مع أن الوجود وتوابعه مما يتوقف عليه صدور الطاعة وما لا يتوقف عليه نعماء من الله تعالى لا تعد ولا تحصى لا يمكن أن يكون ذلك الطاعة بإزائه شكرا لها ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله، قيل ولا أنت، قال ولا أنا " ١ متفق عليه من حديث أبي هريرة وما أصابك أيها الإنسان من سيئة بلاء فمن نفسك روى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود " ما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك " أي من شآمة نفسك استجلابا لا من شآمة غيرك يعني خلق الله تعالى تلك المصيبة والبلاء انتقاما لبعض معاصيك وجزاء لسيئاتك فإن كان الإنسان كافرا كان نموذجا لبعض ما يعد له من العقاب وإن كان الإنسان مؤمنا كان كفارة لذنوبه وباعثا لرفع درجاته، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها " ٢ متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من نصب أو وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه " متفق عليه، وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تصيب عبدا نكبة فما فوقها وما دونها إلا بذنب وما يعفو أكثر " ٣ رواه الترمذي، ففي هذه الآية جواب عن نسبتهم السوء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأرسلناك للناس رسولا منصوب على المصدرية أو الحالية وقصد به التأكيد إن علق الجار بالفعل وإن علق برسولا قصد به التعميم كما في قوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس ٤ وفي هذه الجملة أيضا رد على قولهم هذه من عندك حيث نسبوا الشؤم إليه عليه السلام وما هو إلا رسول من الله تعالى أرسل رحمة عامة للناس أجمعين، وإنما حرم الكفار من الرحمة وأصابهم ما أصابهم من النقمة في الدنيا والآخرة بشؤم أنفسهم حيث لم يطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى بالله شهيدا يشهد على رسالته في الدنيا بنصب المعجزات وعند اختصامهم عند الله يوم القيامة كفى بالله شهيدا لإلزام الكفار وتعذيبهم فإن الملك يومئذ لله الواحد القهار يحكم بعمله لا حاجة حينئذ إلى شهادة غيره والله أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤٠) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (٢٥٧٢)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الشورى (٣٢٥٢)..
٤ سورة سبأ، الآية: ٢٨.
التفسير المظهري
المظهري