ﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ

المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال الميطئين الذين ضعفت قلوبهم وأمرهم بالقتال في سبيله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين.
ذكر هنا أن الإسلام كفلهم ترك ما كانوا عليه في الجاهلية من تخاصم وتلاحم وحروب مستمرة ولاسيما بين قبيلتي الأوس والخزرج فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بمجيء الإسلام وأمرهم بكف أيديهم عن القتال والعدوان على غيرهم وطلب إليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لما فيهما من تهذيب النفوس والعطف والرحمة حتى خمدت من نفوس كثير منهم حمية الجاهلية وحل محلها شريف العواطف الإنسانية إلى إن اشتدت الحاجة إلى القتال للذود عن بيضة الإسلام ودفع العدوان من أولئك المشركين الذين آذوا المسلمين وأحبوا فتنتهم في دينهم وردهم إلى ما كانوا عليه ففرضه عليهم فكرهه المنافقون والضعفاء فنعى ذلك عليهم ووبخهم أشد التوبيخ.
تفسير المفردات :
حسنة : أي شيء يحسن عند صاحبة كالرضاء والخصب والظفر بالغنيمة سيئة : هي ما تسوء صاحبها كالشدة والبأساء والضراء والهزيمة والجرح والقتل يفقهون حديثا : يفهمون كلاما يوعظون به.
الإيضاح :
ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود منه من أرسل إليهم.
أي إن كل حسنة تصيبك أيها المؤمن فهي من فضل الله وجوده فهو الذي سخر لك المنافع التي تتمتع بها وتحسن لديك فقد سخر لك الهواء الذي يحفظ الحياة والماء العذب الذي يمد كل الأحياء وأزواج النبات والحيوان وغيرهما من مواد الغذاء وأنعم عليك بوسائل الراحة والهناء وكل سيئة تصيبك فهي من نفسك فإنك بما أوتيت من قدرة على العمل واختيار في درء المفاسد وجلب المنافع وترجيح لبعض المقاصد على بعض قد تخطئ في معرفة ما يسوء وما ينفع لأنك لا تضبط إرادتك وهواك ولا تحيط علما بالسنن والأسباب فأنت ترجح بعضا على بضع إما بالهوى أو قبل أن تحيط خبرا بمعرفة النافع والضار فتقع فيما يسوء.
و الخلاصة : إن ها هنا شيئين لا بد من معرفتهما :
( ١ ) إن كل شيء من عند الله على معنى أنه خالق الأشياء وواضع النظم والسنن للوصول إلى هذه الأشياء بسعي الإنسان وكسبه وكل شيء حسن بهذا الاعتبار لأنه مظهر الإبداع والنظام.
( ٢ ) إن الإنسان لا يقع فيما يسوءه إلا بتقصير منه في معرفة السنن والأسباب فالسوء إنما ينسب إلى الأشياء بتصرف الإنسان باعتبار أنها تسوءه وليس بذاتي لها ومن تم ينسب ذلك إلى الإنسان فالمرض مثلا يسوءه وهو إنما يكون بتقصيره في السير على نهج الفطرة في التغذية فقد يكون من تخمة قادته إليها شهوته أو من إفراط في تعب أو راحة أو من تعرض للبرد القارس أو للحر الشديد أو نحو أولئك من الأسباب التي ترجع كلها إلى سوء الاختيار كما أن الأمراض الموروثة هي من جنيات الإنسان على الإنسان فهي من نفسه أيضا لا من أصل الفطرة والطبيعة التي هي محض خلق الله دون اختيار إنسان لنفسه فالوالدان قد يجنيان على المرء بتعريض أنفسهما للمرض الذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة كما يجنيان عليه في صغره بعدم وقايته من أسبابه حين يكون اختيارهما له تاما قائما مقام اختياره لنفسه
و أحيانا تسند الأشياء جميهعا إلى الله ويقال إنها من عنده بمعنى أنه هو الخالق لها والواضع لسنن الأسباب والمسببات فيها.
و يسند إلى الإنسان منها كل ما له فيه كسب وعمل اختياري سواء كان من الحسنات والسيئات وقد مضى بهذا كلام الناس وأيدته نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ( الأنعام : ١٦٠ ).
و بهذا الاعتبار يقال إصابة الحسنة من فضل الله تعالى مطلقا وإصابة السيئة من نفس الإنسان مطلقا ولكل من الإطلاقين مقام يقال فيه والمقام الذي سيقت له الآية في بيان نفي الشؤم والتطير وإبطالهما ليعلم الناس أن ما يصيبهم من السيئات لا تكون بشؤم أحد وكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية وقد أبطل ذلك الإسلام لكنه لا يزال فاشيا إلى الآن.
و ينبغي للإنسان حينما تصيبه سيئة أن يبحث عن سببها من نفسه لأنها إنما تصيبه لجهله بالسنن التي وضعها الله من التماس المنافع من أسبابها واتقاء المضار بالبعد عن أسبابها بترجيحه فعل ما ينفع على فعل ما يضر.
و قد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم وأن عصيانه مما يجلب النقم وطاعته إنما تكون باتباع سننه وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله وهذه الآية أصل من أصول الاجتماع وعلم النفس وفيها شفاء للناس من خرافات الوثنية وارتفاع وتكريم للنفس الإنسانية.
وأرسلناك للناس رسولا والرسول ليس عليه إلا البلاغ وليس له دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات لأنه لم يرسل إلا للتبليغ والهداية لا للتصرف في نظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها فما زعمه أولئك الجاهلون من أن السيئة تصيبهم بشؤمه محض خرافة لا مستند لها من عقل أو نقل أو مخالف لما بينه الله تعالى من وظيفة الرسل.
وكفى بالله شهيدا أنك أرسلت للناس كافة بشيرا ونذيرا لا مسيطرا ولا جبارا ولا مغيرا لنظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا فاطر : ٤٣ ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير