تم شَهِدَ جلّ جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضًا على تعظيمه وحثًا على طاعته، وترهيبًا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال :
مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
قلت : إن تعلق الجار بالفعل كان رسولاً حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالاً مؤسسة تفيد العموم ؛ أي أرسلناك رسولاً للناس جميعًا، و حفيظًا حال من الكاف.
ثم علَّمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال : ما أصابك من حسنة أي : نعمة فمن الله فضلاً وإحسانًا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" لن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعملهِ "، قيل : ولا أنتَ يا رسول الله ؟ قال :" ولا أنَا، إلا أن يتَغمدني الله برَحمته " وما أصابك أيها الإنسان من سيئة أي : بلية فمن نفسك أي : شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" مَا مِن خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يَعفو الله عنه أكثرُ " فلا ينافي قوله : قل كلٌّ من عند الله ؛ فإن الكل منه إيجاداً واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام. كما قالت عائشة رضي الله عنها :" مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر ".
وفي مصحف ابن مسعود :( قالوا : ما أصابك من حسنة فمن الله ) الآية. فتكون حينئٍذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وأرسلناك يا محمد للناس رسولاً تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بالرسالة أغْنَى عن غيره، وكفى بالله شهيدًا . وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات.
{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " [ الفتح : ١٠ ] فافهم، والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي