فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم( ١ ) بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ( ٢ ) وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ( ٨٩ )
في هاتين الآيتين :
( ١ ) سؤال موجه إلى المؤمنين على سبيل الإنكار والتعجب عن سبب انقسامهم فرقتين في أمر المنافقين في حين أن أمرهم لا يتحمل ذلك ؛ لأن ما بدا منهم من نفاق ومواقف أظهر حالتهم التي ارتدوا بها إلى الكفر واستحقوا بها خزي الله وخذلانه وإضلاله.
( ٢ ) وسؤال استنكاري عما إذا كان المؤمنون يريدون أو يظنون أنهم يستطيعون أن يهدوا من أضله الله وأخزاه في حين أن من يخلده الله ويخزيه لن يكون له سبيل للخلاص من خزيه وخذلانه.
( ٣ ) وتقرير لواقع نية المنافقين نحو المؤمنين. فهم يودون أن يكفروا كما كفروا ويرتكسوا في الخزي والضلال والكفر كما ارتكسوا حتى يكونوا وإياهم سواء.
( ٤ ) ونهي للمؤمنين عن اتخاذ أولياء ونصراء منهم إلا إذا هاجروا في سبيل الله وأخلصوا وقاموا بما عليهم من واجبات.
( ٥ ) وإهدار لدمائهم إذا لم يرجعوا عن غيهم ولم يتعظوا من هذا الإنذار، حيث يجب على المسلمين في هذه الحالة أن يقتلوهم حيث وجدوهم وأن لا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا في أي حال.
تعليق على الآية
( فما لكم في المنافقين فئتين )الخ والآية التالية لها.
وقد روى المفسرون١ في سبب نزول هذه الآيات ثلاث روايات : منها أنها نزلت بحق أناس أسلموا وهاجروا إلى المدينة ثم احتالوا ولحقوا بدار الكفر زاعمين أنهم استوبؤوا المدينة واستثقلوا المقام فيها. ومنها أنها بحق أناس أسلموا ولم يهاجروا إلى المدينة مع قدرتهم على الهجرة. ومنها أنها بحق منافقي المدينة الذين خذلوا المسلمين في وقعة أحد حيث اختلف المخلصون في أمرهم فقالت فرقة بقتلهم وقالت فرقة بعدم قتلهم. والروايتان الأوليان لم تردا في الصحاح وقد ورد في معنى الرواية الثالثة حديث رواه البخاري والترمذي عن زيد ابن ثابت جاء فيه ( رجع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وكان الناس فيهم فرقتين : فريق يقول : اقتلهم. وفريق يقول : لا. فنزلت ( فما لكم في المنافقين فئتين ) ٢.
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون لمعنى جملة ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) منها٣ أنها بمعنى الهجرة والانتقال إلى المدينة والالتحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومنها أنها تعني طاعة الله ورسوله والإخلاص لهما. والتضامن مع النبي والمسلمين، وروح الآية تتحمل هذه التأويلات غير أن ظروف السيرة النبوية وانصباب الكلام والتنديد على المنافقين يجعل المعنى الأخير هو الأكثر ورودا، والله أعلم.
وبدء الآيات بحرف الفاء الذي فيه معنى التعقيب على ما سبق وذكر مواقف التثبيط والتبطيء والمراوغة والاعتراض على القتال في السياق السابق يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة. وأصحاب تلك المواقف هم منافقو المدينة بحيث يمكن أن يكون في هذا تأييد لحديث زيد. غير أننا مع ذلك نتوقف أن تكون الآيات نزلت في أمر وقعة أحد لأننا لا نرى مناسبة لذلك في هذا السياق. وقد ورد تفصيل ما جرى في هذه الوقعة في سورة آل عمران وندد فيها بالمنافقين تنديدا شديدا. ونرجح أنها في صدد مواقفهم المحكية في السياق السابق وإن في الحديث التباسا أو تطبيقا والله أعلم.
ولقد رأينا القاسمي يستشكل أن يكون المقصودون منافقي المدينة من ناحية أنهم كانوا بين المسلمين فلا يكون محل للقول ( فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ) ولسنا نرى إشكالا، ونرى أن العبارة يمكن أن تصدق على منافقي المدينة ولاسيما إذا أخذ بتأويل جملة ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) بمعنى حتى يطيعوا الله ورسوله ويتضامنوا مع المسلمين. والله تعالى أعلم.
لقد جاءت الآيات حاسمة لاختلاف المسلمين في منافقي المدينة حيث أمرتهم إذا ظلوا على موقفهم وإعراضهم عن الجهاد في سبيل الله والإخلاص في طاعة الله ورسوله بأن يقتلوا حيث وجدوهم ولا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا.
وهذه هي المرة الثانية التي يأمر القرآن المسلمين فيها بقتل المنافقين حيث وجدوهم والمرة الأولى جاءت في آية سورة الأحزاب ( ٦٠ ) باختلاف في الشرط والتعبير حيث ذكر في آية الأحزاب جملة ( لئن لم ينته المنافقون... ) وذكر في هذه الآيات جملة ( فإن تولوا... ).
ولقد علقنا على هذه المسألة في سياق آية الأحزاب بما فيه الكفاية فلا نرى حاجة للإعادة أو الزيادة.
هذا، ولقد انطوى في الآيات تلقين جليل المدى بتحريم كل من يدعي الإسلام ثم لا يتضامن مع المسلمين في الأزمات والمواقف العصبية التي تلم بهم ولا يقيم البرهان بذلك على صحة إسلامه وإخلاصه، بل ويرتكس في الخزي أكثر فيود أن يكون المسلمون مثله في التخاذل. وهذه الصورة تظهر في كل ظرف ومكان في الأزمات والمواقف العصيبة والنضالية. وقد أمرت الآيات هنا وهناك بوجوب الوقوف منهم موقف الشدة والمطاردة والتنكيل. فضلا عن عدم التناصر والتضامن والتسامح معهم.
التفسير الحديث
دروزة