ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

في الآية خطاب موجّه إلى السامعين يؤكد لهم بأن الله تعالى جامعهم إلى يوم القيامة وأن هذا أمر حتم لا يحتمل أي شكّ. فالله متنزه عن الإخلاف بوعده ووعيده ولا يمكن أن يقول إلّا صدقا.
ولم يرو المفسرون كذلك في ما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول هذه الآية. والمتبادر أنها هي الأخرى متصلة بالسياق اتصالا تعقيبيا كسابقاتها. فقد احتوت الآيات السابقة وعدا ووعيدا وتقرير كون الله تعالى حسيبا وقادرا على كل شيء ومحصيا أعمال الناس ومجزيا عليها بما تستحق فجاءت هذه الآية لتؤكد هذا بتوكيد جمع الناس إلى القيامة الذي يكون فيه الحساب والجزاء.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
. (١) أركسهم: أخزاهم وردّهم وأهلكهم.
(٢) من أضلّ الله: في بعض الأقوال أنها هنا في معنى من خذله الله وأخزاه وأشقاه. وعلى كل حال فجملة بِما كَسَبُوا تجعل جملة مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ من باب وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[البقرة: ٢٦].
في هاتين الآيتين:
(١) سؤال موجّه إلى المؤمنين على سبيل الإنكار والتعجب عن سبب انقسامهم فرقتين في أمر المنافقين في حين أن أمرهم لا يتحمل ذلك لأن ما بدا منهم من نفاق ومواقف أظهر حالتهم التي ارتدوا بها إلى الكفر واستحقوا بها خزي الله وخذلانه وإضلاله.
(٢) وسؤال استنكاري عما إذا كان المؤمنون يريدون أو يظنون أنهم الجزء الثامن من التفسير الحديث ١٣

صفحة رقم 193

يستطيعون أن يهدوا من أضلّه الله وأخزاه في حين أن من يخذله الله ويخزيه لن يكون له سبيل للخلاص من خزيه وخذلانه.
(٣) وتقرير لواقع نية المنافقين نحو المؤمنين. فهم يودون أن يكفروا كما كفروا ويرتكسوا في الخزي والضلال والكفر كما ارتكسوا حتى يكونوا وإياهم سواء.
(٤) ونهي للمؤمنين عن اتخاذ أولياء ونصراء منهم إلّا إذا هاجروا في سبيل الله وأخلصوا وقاموا بما عليهم من واجبات.
(٥) وإهدار لدمائهم إذا لم يرجعوا عن غيّهم ولم يتعظوا من هذا الإنذار حيث يجب على المسلمين في هذه الحالة أن يقتلوهم حيث وجدوهم وأن لا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا في أي حال.
تعليق على الآية فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ إلخ والآية التالية لها
وقد روى المفسرون «١» في سبب نزول هذه الآيات ثلاث روايات: منها أنها نزلت بحق أناس أسلموا وهاجروا إلى المدينة ثم احتالوا ولحقوا بدار الكفر زاعمين أنهم استوبؤوا المدينة واستثقلوا المقام فيها. ومنها أنها بحق أناس أسلموا ولم يهاجروا إلى المدينة مع قدرتهم على الهجرة. ومنها أنها بحق منافقي المدينة الذين خذلوا المسلمين في وقعة أحد حيث اختلف المخلصون في أمرهم فقالت فرقة بقتلهم وقالت فرقة بعدم قتلهم. والروايتان الأوليان لم تردا في الصحاح وقد ورد في معنى الرواية الثالثة حديث رواه البخاري والترمذي عن زيد بن ثابت جاء فيه «رجع ناس من أصحاب النبي ﷺ من أحد. وكان الناس فيهم فرقتين. فريق يقول اقتلهم وفريق يقول لا فنزلت فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» «٢».

(١) انظر تفسير الآيات في الطبري والطبرسي وابن كثير والبغوي والخازن.
(٢) التاج ج ٤ ص ٩٣..

صفحة رقم 194

ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون لمعنى جملة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ منها «١» أنها بمعنى الهجرة والانتقال إل المدينة والالتحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها أنها تعني طاعة الله ورسوله والإخلاص لهما. والتضامن مع النبي والمسلمين. وروح الآية تتحمل هذه التأويلات. غير أن ظروف السيرة النبوية وانصباب الكلام والتنديد على المنافقين يجعل المعنى الأخير هو الأكثر ورودا، والله أعلم.
وبدء الآيات بحرف الفاء الذي فيه معنى التعقيب على ما سبق وذكر مواقف التثبيط والتبطيء والمراوغة والاعتراض على القتال في السياق السابق يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة. وأصحاب تلك المواقف هم منافقو المدينة بحيث يمكن أن يكون في هذا تأييد لحديث زيد. غير أننا مع ذلك نتوقف أن تكون الآيات نزلت في أمر وقعة أحد لأننا لا نرى مناسبة لذلك في هذا السياق. وقد ورد تفصيل ما جرى في هذه الوقعة في سورة آل عمران وندد فيها بالمنافقين تنديدا شديدا. ونرجح أنها في صدد مواقفهم المحكية في السياق السابق، وإن في الحديث التباسا أو تطبيقا والله أعلم.
ولقد رأينا القاسمي يستشكل أن يكون المقصودون منافقي المدينة من ناحية أنهم كانوا بين المسلمين فلا يكون محل للقول فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ولسنا نرى إشكالا ونرى أن العبارة يمكن أن تصدق على منافقي المدينة ولا سيما إذا أخذ بتأويل جملة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمعنى حتى يطيعوا الله ورسوله ويتضامنوا مع المسلمين. والله تعالى أعلم.
لقد جاءت الآيات حاسمة لاختلاف المسلمين في منافقي المدينة حيث أمرتهم إذا ظلوا على موقفهم وإعراضهم عن الجهاد في سبيل الله والإخلاص في طاعة الله ورسوله بأن يقتلوهم حيث وجدوهم ولا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا.

(١) انظر كتب التفسير السابقة.

صفحة رقم 195

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية