و " ودوا ضميرها يعود على المنافقين الذين اختلف فيهم المسلمون إلى فئتين، وحكم الله في صالح الفئة التي أرادت أن تقف منهم موقف القوة والبطش والجبروت، فقال سبحانه وتعالى تعليلا لنفاقهم : ودوا لو تكفرون كما كفروا ثم إن نفاقهم معناه قلق يصيبهم من مستوى حالهم مع مستقبل الإسلام أو حاضره ؛ لأنهم كافرون بقلوبهم، ولكنهم يخافون أن يظهر الإسلام فيعاملهم معاملة الكافرين به، فيحاولون أن يظهروا أنهم مسلمون ليحتاطوا لنصرة الإسلام وذيوعه، فهم في كرب وتعب، وهذا التعب يجعلهم يريدون كثيرا من الأفكار في رءوسهم : يقولون نعلن أمام المسلمين أننا مسلمون، ونعلن أمام الكافرين أننا كافرون.
وما الذي ألجأهم إلى هذا الحال، وقد كانوا قديما على وتيرة واحدة، ألسنتهم مع قلوبهم قبل أن يجيء الإسلام ؟ إذن فالذي يعيدهم إلى حالة الاستقرار النفسي وينزعهم من القلق والاضطراب والخوف على حاضرهم ومستقبلهم هو أن تنتهي قضية الإسلام، فلا يكون هناك مسلمون وكافرون ومنافقون. بل يصير الكل كافرا.
ودوا لو تكفرون كما كفروا والودادة عمل القلب، وعمل القلب تخضع له جميع الجوارح إن قدرت، فماداموا يودون أن يكون المسلمون كافرين، إذن سيقفون في سبيل انتصار المسلمين، وسيضعون العقبات التي تحقق مطلوبات قلوبهم. لذلك فاحذروهم، سأفضح لكم أمرهم لتكونوا على بينة من كل تصرفاتهم وخائنات أعينهم وخائنات ألسنتهم.
ودوا لو تكفرون ونعرف أن كلمة " الكفر " تعني " الستر "، فالفعل " كفر " معناه " ستر ". ومن عظمة الإيمان بالإسلام وعظمة الحق في ذاته هو أنه لا يمكن أبدا أن يطمسه خصومه، فاللفظ الذي جاء ليحدد المضاد لله هو عينه دليل على الإيمان بالله. فعندما نقول : كفر بالله أي " ستر وجوده "، كأنه قبل أن يستر الوجود فالوجود موجود، ولذلك نجد أن لفظ " الكفر " نفسه دليل على الإيمان، فلفظ " الكفر " في ذاته تعني إيمانا موجودا يجاهد صاحبه نفسه أن يغطيه ويستره.
ودوا لو تكفرون كما كفروا . وهذا القول جاء بعد أن قال الحق : فمالكم في المنافقين فئتين ( من الآية٨٨ سورة النساء ).
ويدل على أنهم يوصفون مرة بالمنافقين ويوصفون مرة بالكافرين. وسماهم الله في آية ب " المنافقين " ويصفهم الحق في هذه الآية بأنهم كفروا ودوا لو تكفرون كما كفروا والكفر الذي يجيء وصفه هنا يدل على مكنون القلب، فالنفاق لم يعطهم إلا ظاهريات الإسلام، لكن الباطنيات لم يأخذوها، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار في الآخرة ؛ وإن كانوا في الدنيا يعاملون معاملة المسلمين احتراما لكلمة لااله الا الله محمد رسول الله لكن الله يعاملهم في الآخرة معاملة الكافرين، ويزيد عليها أنهم في الدرك الأسفل من النار.
إذن فأصحاب الباطل إن كانت لهم قوة يجعلون لسانهم مع قلوبهم في الجهر بالباطل، وإن كان عندهم ضعف يجعلون قلوبهم للباطل ولسانهم للحق. وهذه العملية ليست مريحة في كلا الموقعين. فالمريح لهم ألا توجد للحق طائفة. لذلك يقول سبحانه وصفا لحقيقة مشاعرهم : ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء . فهم يتمنون إزالة طائفة الحق حتى لا يكون هناك أحد أفضل من أحد، مثلما نقول : مفيش حد أحسن من حد.
مثال ذلك : نجد مجموعة من الموظفين في مصلحة حكومية، ويكون من بينهم واحد مختلس أولا يؤدي عمله على الشكل الراقي المطلوب، لذلك فهو لا يحب أن يؤدي الآخرون أعمالهم بمنتهى الإتقان، ويريدهم فاسدين، ويحاول أن يغريهم بالفساد حتى يكونوا مثله ؛ كي لا يظهروه أمام نفسه بمظهر النقيصة. وحتى لا يكون مكسور العين أمامهم.
ومن العجيب أننا نجد الذي يسرق يحترم الأمين، وكثيرا ما نسمع عن لص من فور ما يعلم أن هناك كمينا ينتظره ليقبض عليه فهو يبحث عن رجل أمين يضع عنده المسروقات كأمانة.
وقول الحق عن أمنية المنافقين الكافرين بقلوبهم هو أن يكون المؤمنون مثلهم فتكونون سواء . وهذه شهادة في أن صاحب الباطل يحب من صاحب الحق أن يكون معه ؛ لأنه حين يجده في الحق، فصاحب الباطل يحتقر نفسه، وقد حدثت العجائب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كفروا به وعذبوا صحابته، ولكنه هو الأمين باعترافهم جميعا. فها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر من مكة وخلف " عليا " كرم الله وجهه ليرد الودائع والأمانات التي عنده.
هم كذبوه في الرسالة، ولكنه الأمين باعترافهم جميعا ؛ لذلك أودعوا عنده الأمانات. إذن فصاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة. وحتى نتعرف تماما على هذا المعنى، فلنفترض أن إنسانا وقع في مشكلة، سب أحدا من الناس ورفع المعتدى عليه دعوة قضائية على هذا المعتدي الذي سبه، ولهذا المعتدي صديق عزيز، استشهد به المعتدى عليه، فيقول المعتدي : أتشهد علي ؟ ويذهب الصديق إلى المحكمة ليقول :" لا يقول صديقي مثل هذا السباب ". وهنا شهد الصديق لصديقه شهادة زور. ولنفترض أن هذا المعتدي قد تاب وأناب وصار من الأتقياء، وجعله الناس حكما بينهم، وجاء له الصديق الذي شهد الزور من أجله ليشهد أمامه، فهل يقبل شهادته ؟ طبعا لا.
إذن صاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة، فإذا ما حاول أحد من أصحاب الرذيلة أن يشد صاحب الفضيلة إلى خطا، فهو يسعى إلى إضلاله، وينطبق على ذلك قول الحق : ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ومادام هذا هو هدفهم وفكرتهم ألا يتركوا المؤمنين على إيمانهم، لأجل أن يأخذهم إلى صف الكفر. وهم بذلك كمنافقين كفار قلوب غير مخلصين لصف الإيمان. وهم لا يقفون من الإيمان موقف الحياد، ولكنهم يقفون منه موقف العناد والعداوة. ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو : إياكم أن تؤمنوهم على شيء يتعلق بمصالحكم وإيمانكم.
ويصدر الحق الحكم في هذه القضية بمنتهى الوضوح : فلا تتخذوا منهم أولياء أي إياكم أن تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو اهل مشورة ؛ لأن الله سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم، وهذه المسألة ليست ضربة لازب، فإن آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة الإيمان فلن يرده الله، فسبحانه وتعالى لا يضطهد أحدا لمجرد أنه ارتكب الذنب ؛ لأنه الحق غفور ورحيم، فمادام قد عاد الإنسان إلى الصواب وبعد عن الخطأ، فعلى المؤمنين أن يقبلوا من يعود إليهم بإخلاص، فالكراهية لا تنعقد ضد أحد لأنه أخطأ ؛ لأن الكراهية تكون للعمل الخطأ، وليست موجهة ضد الإنسان المخلوق لله، فإن أقلعوا عن الخطأ ؛ فهم مقبولون من المؤمنين.
وهاهو ذا قاتل زيد بن ألخطاب يمر أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له بعض الناس ها هو ذا قاتل أخيك زيد. فيقول عمر بن الخطاب : وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام ؟ !.
وهكذا نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القائل، ولكن الكره يكون للفعل، فإن أقلعت الذات عن الفعل فالذات لها مكانتها. وهكذا يصدر الحكم الرباني : فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله .
والهجرة في سبيل الله كانت تكلف الإنسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله، ويذهب إلى حياة التقشف والتعب والمشقة، وفي هذا ما يكفر عنه، ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب إلى الله فتاب الله عليه وآن له الأوان أن يدخل في حوزة الإيمان. فإن فعل ذلك فقد عاد إلى الإيمان. ولذلك يجب على الناس أن يفصلوا الذوات عن الأفعال. لماذا ؟ لأن الذوات في ذاتها لا تستحق أن تكره، وإنما يكره فعل الذات إن كان قبيحا سيئا.
وحين نقرأ القرآن نجده يعرض مثل هذه المسألة، فسيدنا نوح عليه السلام عندما تلقى وحي الله بأن يصنع السفينة، وجلس يصنعها ويمر عليه الناس فيسخرون منه فيقول لهم سيدنا نوح : سنسخر منكم غدا كما تسخرون منا. ويأتي له ابن ليس على منهجه، فيدعوه نوح إلى المنهج فيقول الابن :" لا ". ويركب نوح السفينة ويقول لله : لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي.
وهنا يوضح الحق : صحيح أنا أنجيك أنت وأهلك، ولكن ما الذي جعلك تعتبر ابنك من أهلك، إن الذوات عند الأنبياء لا نسب لها، إنما نسب الأنبياء الأعمال : إنه عمل غير صالح ( من الآية٤٦سورة هود }.
إن العمل هو الذي يتم تقييمه. ولذلك يقول الحق : فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله والهجرة من " هجر "، و " هجر " يعني أن الإنسان قد عدل من مكان إلى مكان، أو عن ود إلى ود، أو عن خصلة إلى خصلة، والذي يهجر عادة يتجنى على من " هجر "، لنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في كتابه عندما يأتي بالحدث. يأتي ب " هاجر "، ولم يأت بالحادث " هجر "، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة. ولكنه هاجر منها، ويقول صلى الله عليه وسلم :( والله إنك لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت )١.
فالهجرة جاءت ؛ لأن أهل مكة هجروه أولا، فاضطر أن يهاجر. و " هاجر " على وزن " فاعل ". والمتنبي يقول :
| إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا | ألا تفارقهم فالراحلون همو |
ويوضح سبحانه أن الذي يخلص هؤلاء المنافقين من حكمنا عليهم، ألا يتخذ المؤمنون منهم أولياء هو : أن يهاجروا في سبيل الله ؛ لأن ذلك هو حيثية صدق الإيمان. فالمهاجر يحيا عيشة صعبة. وقد عاش المهاجرون على فيض الله من خير الأنصار، ولم يؤسسوا حياتهم بشكل لائق. إذن فمن ينضم إلى ذلك الموكب هو مؤمن اشترى الإيمان وقدر على أن يكفر عما بدر منه. فليست الهجرة مجرد هجرة، ولكنها هجرة في سبيل الله.
ولذلك نرى القاعدة الإيمانية في الحديث النبوي( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله.. فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )٢.
وهكذا يعامل المؤمنون المنافق إن عاد من كفره ونفاقه إلى الإيمان. لكن ماذا لو تولى المنافقون ؟. فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا والأخذ إذا جاء في مقام النزاع فمعناه الأسر. وقتلهم في ساحة القتال أمر واجب، ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء أو نصراء ؛ لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين، ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين. ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين.
واتخاذ الولي أو النصير ممن نعلم أنه لا يحب الإيمان وليس على مبدأ الإسلام وعقيدته أمر يشكك في صدق بصيرة الإنسان الذي يتولى ويود غير المسلمين المخلصين. فحين يرى الواحد منا إنسانا آخر لا يحبه ويكيد المكائد، وعندما يراك تثق فيه وتحسن إليه، يقول هذا الكاره : هذا إنسان فاقد البصيرة فلو عرف ما في قلبي لما فعل ذلك. فإذا اتخذ المؤمنون من المنافقين أولياء أو نصراء والمنافقون على ما هم عليه من نفاق لقال المنافقون : إن المسلمين فاقدو البصيرة وهم لا يعلمون ما في قلوبنا ؛ لذلك ينير الحق بصيرة المؤمنين حتى لا نأخذ رأيا من المنافقين ينال منا.
وقد يقول المنافقون : إن هؤلاء المسلمين ليس لهم رب يبصرهم، فلماذا يدعون أن لهم إلها
٢ رواه البخاري..
تفسير الشعراوي
الشعراوي