ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٩:٤١٢- في هذه الآية من المسائل : ما حقيقة هؤلاء المستثنين ؟ وكيف يباح اتخاذ الولي من الكافر في حالة من الحالات مع قوله تعالى :... لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء (١) ؟ فولاية الكافر حرام مطلقا. وما الفرق بين اليمين والعهد والميثاق ؟ وما معنى : حصرت صدورهم ؟ وما إعرابه ؟
والجواب : قال المفسرون : كان هذا أول الإسلام قبل استحكام القوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل، فأمر الله تعالى في هذه الآية أن من وصل إلى هؤلاء المشركين الذين لا عهد بيننا وبينهم صار بمنزلتهم، ويكون ناصرا بمنزلتهم، ومن جملة أحلافنا(٢).
قال عكرمة(٣) والسدي :" فلما كثر ناصرو الإسلام نسخت هذه الآية بآية براءة " (٤).
وقال أبو عبيدة وغيره :" يصلون هاهنا معناها : ينتسبون، لا يرحلون إليهم، لأن النسب وصلة معنوية " (٥).
والفرق بين اليمين والعهد والميثاق : أن اليمين هو الحلف، والعهد هو الإلزام أو الالتزام، ومنه قوله تعالى : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم (٦) أي : أوفوا بما ألزمتكم من التكاليف، أوفي لكم بما التزمت لكم من الثواب ". ومنه عهدة البيع، أي : ما يلزم البائع من رد الثمن عند استحقاق المبيع أو رده بالعيب أو غير ذلك.
والميثاق هو العهد المؤكد باليمين، لأنه وثق به حينئذ، فالميثاق مجموعهما، وكل واحد منهما جزؤه. هذا أصله في اللغة، ثم قد يستعمل الميثاق في مطلق العهد أو الحلف من باب إطلاق اسم الكل على الجزء.
ومعنى قوله تعالى : أو جاءوكم حصرت صدورهم أنه معطوف على يصلون أو على بينكم وبنهم ميثاق ، والمعنى في العطفين مختلف لاختلاف الحكم في أصحاب الميثاق الواصلين إليهم، وهو أيضا حكم كان قبل استحكام الإسلام، فكان المشرك إذا اعتزل وجاء إلى دار الإسلام مسلما كارها لقتال قومه مع المسلمين، ولقتال المسلمين مع قومه لا سبيل عليه. فهي منسوخة بما في براءة(٧).
ومعنى حصرت : ضاقت(٨)، ومنه حصار العدو في القلاع، والحصر في القول، وهو ضيق الكلام على المتكلم. وهو عند جمهور النحويين في موضع نصب على الحال مقدر معها " قد "، تقديره :" جاءوكم وقد حصرت صدورهم "، أي :" ضاقت في القتال مع الفئتين "، لأن " قد " تصحب الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال ليحصل الفرق بين الحال والخبر المستأنف، كقولك : جاء زيد ركب الفرس. إن أردت الحال قدرت " قد "، وإن أردت خبرا آخر عن زيد لم تقدرها.
وقال الزجاج : بل هي خبر بعد خبر لأن الأصل عدم الحذف. وقال المبرد :" حصرت " دعاء عليهم، كما تقول :" جاء زيد قاتله الله ". وقيل : هذا الدعاء لا يصح لأنه يصير دعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم. وجوابه : أنه دعاء عليهم بضيق صدرهم عن قتال المسلمين خاصة، أو بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيزا لهم، ولا يقاتلوا قومهم تحقيرا لهم. أي : هم أقل من ذلك ومستغنى عنهم، كما تقول : لا جعل الله فلانا علي ولا لي. أي : أنا مستغن عنه. فهذه الآية هي مما يتطارحها الفضلاء إعرابا ومعنى. ( الاستغناء : ٣١٨ إلى ٣٢٠ )

١ - سورة الممتحنة: ١..
٢ - ن: جامع البيان: ٩/١٩..
٣ - هو أبو عبد الله، عكرمة، مولى ابن عباس، تابعي. (ت: ١٠٤ هج). ن: صفوة الصفوة: ٢/١٠٣. تهذيب الأسماء: ١/٣٤٠..
٤ - ن: جامع البيان: ٩/٢٤-٢٥. وقد قال بالنسخ أيضا كل من: أبي جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ"، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن"، وعبد القاهر الجرجاني في "الناسخ والمنسوخ" وغيرهم. نقلا عن د. مصطفى زيد في كتابه: "النسخ في القرآن": ٢/٧٨١ إلى ٧٨٦. وقد خلص إلى القول: "إن الآيتين محكمتان، وما قرره ابن عباس من أنهما منسوختان يعوزه الدليل" نفسه: ٢/٧٨٦..
٥ - لفظ أبي عبيدة: "فإن كانوا من أولئك القوم... " ن: مجاز القرآن: ١/١٣٦..
٦ - سورة البقرة: ٤٠..
٧ - ن. بحثا في الموضوع للدكتور مصطفى زيد في كتابه: "النسخ في القرآن": ٢/٧٨١ وما بعدها..
٨ - ن. مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/١٣٦. جامع البيان للطبري: ٤/٢٠٠..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير