*فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا٨٨ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا٨٩ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا٩٠ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا٩١ .
ابتدأ هذه الآيات بالفاء لوصلها بما سبقها إذ السياق لا يزال جاريا في مجراه من أحكام القتال وذكر شؤون المنافقين والضعفاء فيه، ومن المنافقين من كان ينافق بإظهار الإسلام فتخونه أعماله كما تقدم، ومنهم من كان ينافق بإظهار الولاء للمؤمنين والنصر لهم وهم بعض المشركين ( وكذا بعض أهل الكتاب ) وهذه الآيات في المنافقين في إبان الحرب بإظهار الولاء والمودة أو بالإيمان في غير دار الهجرة، ورد في أسباب نزولها روايات متعارضة : روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس كانوا خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيهم فرقتين : فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا فأنزل الله تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ قال خطب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس فقال :( من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني ) فقال سعد بن معاذ : إن كان من أوس قتلناه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك. فقام سعد بن عبادة فقال ما لك يا ابن معاذ طاعة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولقد عرفت ما هو منك، فقام أسيد بن حضير فقال إنك يا ابن عبادة منافق وتحب المنافقين، فقام محمد بن سلمة فقال : اسكتوا أيها الناس فإن فينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يأمرنا فننفذ أمره. فأنزل الله فما لكم في المنافقين فئتين الآية. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحمّاها فأركسوا وخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا لهم ما لكم رجعتم ؟ قالوا أصابنا وباء المدينة قالوا : أما لكم في رسول الله أسوة حسنة ؟، فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا. فأنزل الله الآية، وفي إسناده تدليس وانقطاع اهـ من لباب النقول للسيوطي، والمراد بالذي يؤذي النبي في حديث سعد بن معاذ هو عبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين، وما كان منه في قصة الإفك. وروي عن ابن عباس وقتادة أنها نزلت في قوم بمكة كانوا يظهرون الإسلام ويعينون المشركين على المسلمين. ورجحها بعضهم حتى على رواية الشيخين بذكر المهاجرة في الآية الثانية.
ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم هؤلاء فريق من الذين لم يهتدوا بالإسلام، ولم يتصدوا إلى مجالدة أهله بحد الحسام، فكانوا مذبذبين بين المؤمنين والكافرين، لا يهمهم إلا سلامة أبدانهم، والأمن على أرواحهم وأموالهم، فهم يظهرون لكل من المتحاربين أنهم منهم أو معهم، روى ابن جرير عن مجاهد أنهم ناس كانوا يأتون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيسلمون رياء فيرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يؤمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا اه.
وروي عن ابن عباس أنه قال : كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها وذلك أن الرجل منهم كان يوجد قد تكلم بالإسلام فيقرّب إلى العود والحجر وإلى العقرب والخنفساء فيقول المشركون له قل " هذا ربي " للخنفساء والعقرب.
وروي عن قتادة أنهم حي كانوا بتهامة قالوا : يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم فأبى الله ذلك عليهم فقال كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها ، يقول كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.
وروي عن السدي أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين ينقل الحديث بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمشركين. ولا يبعد أن يكون كل من ذكر من هذا الفريق وأن يكون منهم غير من ذكر.
ونزيد في بيان معنى قوله : كل ما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها أنهم كانوا يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين إما بإظهار الإسلام وإما بالعهد على السلم وترك القتال ومساعدة الكفار على المؤمنين ثم يفتنهم المشركون أي يحملونهم على الشرك أو على مساعدتهم على قتال المسلمين وهو الإركاس، فيرتكسون أي فيتحولون شر التحول معهم، ثم يعودون إلى ذلك النفاق والارتكاس المرة بعد المرة، أي فهم قد مردوا على النفاق فلا ينبغي أن يختلف المؤمنون في شأنهم، وقد بين الله حكمهم بقوله :
فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي فإن لم يعتزلوكم بترككم وشأنكم والتزامهم الحياد، ويلقوا إليكم السلم أي زمام المسالمة بالصفة التي تثقون بها حتى كأن زمامها في أيديكم، ( وفسره بعضهم بالصلح ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين أو عن الدسائس، إن لم يفعلوا ذلك ويؤمن به غدرهم وشرهم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، إذ ثبت بالاختبار أنه لا علاج لهم غير ذلك، فقد قامت الحجة لكم على ذلك، وذلك قوله تعالى : وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا أي جعلنا لكم حجة واضحة وبرهانا ظاهرا على قتالهم، فقد روي عن غير واحد أن السلطان في كتاب الله تعالى هو الحجة. وهذا يقابل قوله تعالى في من اعتزلوا وألقوا السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا وكل من العبارتين تؤيد الأخرى في بيان كون القتال لم يشرع في الإسلام إلا للضرورة، وأن هذه الضرورة تقدر بقدرها في كل حال.
قال الرازي : قال الأكثرون وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن قتالنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم... [ الممتحنة : ٨ ] وقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [ البقرة : ١٩٠ ] فخص الأمر بالقتال بمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا اه.
والظاهر أنه يعني بمقابل الأكثرين من يقول إن في الآيات نسخا. ولا يظهر النسخ فيها إلا بتكلف فما وجه الحرص على هذا التكلف ؟ ويأتي في هذه الآية ما ذكرناه عقب التي قبلها في قتل المرتدين وغيرهم.
تفسير المنار
رشيد رضا