ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها
كان المنافقون في الحروب عنصر فتنة مستمرة، وكانوا في السلم مثيري النزاع والخصام، فهم في الحرب إن رأوا ضعفا استغلوه، وإن لم يجدوا ضعفا ظاهرا أثاروه، ولم يكن النفاق داخل المدينة فقط، بل كان يمتد كلما قوي المؤمنون في البلاد. ففي أول إقامة الدولة الإسلامية بالمدينة وانتصار المؤمنين في بدر، ظهر النفاق فيها خوفا من قوة المؤمنين، وأخذ ينفث سمومه في قوتهم ! وكلما عم سلطان الدولة الإسلامية واتسع، ظهر منافقون، فظهر في الأعراب نفاق كما قال تعالى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم( ٩٧ ) ( التوبة ) وظهر نفاق بين مشركي مكة، فكان ناس إذا أرادوا تجارة، وأرادوا أن يأمنوا غارات المؤمنين في الطريق عليهم، أعلنوا أنهم يصدقون بما جاء به محمد، وناقلوه بين الركب وبين الناس، فكان المؤمنون يختلفون في شأنهم، فمنهم من يراهم مؤمنين لا يقاتلون ولا يغار عليهم، ومنهم من يراهم كفارا منافقين يريدون أن ينجوا بأموالهم فنزل قوله تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا
هذا صنف أخير يتجه إلى أن يأمن قومه، فلا يقاتلهم، ويأمن المؤمنين حتى لا يقتلوه، ولكنه لا يمدّ يد الأمان، ولا يسلم القياد، وهؤلاء إذا دعوا إلى القتال، ولم يعترضوا منفردين لأذى المؤمنين، استجابوا للقتال في صفوف المشركين، فهم يظهرون الأمان، أو يظهرون الإسلام، ليأمنوا جانب المؤمنين، فإن لاحت لهم فرصة الانضمام لأعداء الله قاتلوا معهم، وهذا مرمى قوله تعالى : كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ، أي كلما ردوا إلى قومهم مفتونين بعصبيتهم وكفرهم، قلبت نفوسهم أقبح قلب، فأركسوا في فتنة الكفر والعصبية، وهؤلاء أوجب الإسلام قتالهم إذا لم يعتزلوا أقوامهم ويكفوا أيديهم عن قتال المسلمين، ولذا قال سبحانه :
فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأُولاَئِكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ، أي إن لم يعتزلوا قتالكم، ويمتنعوا عن حربكم، ويلقوا إليكم بالأمان مع تسليم أنفسهم منقادين، ويكفوا أيديهم عن القتال، فقد حل دمهم وزالت عصمتهم، فخذوهم بالنواصي أسرى، واقتلوهم حيث وجدتموهم ؛ فمعنى ثقفتموهم وجدتموهم. وعبر عن الامتناع عن القتال بقوله ويكفوا أيديهم ، لأن اليد هي الأداة الأولى للقتال، وإن الله بهذا قد جعل للمسلمين سلطانا أي سيطرة تمكنهم من قتالهم، وهذا معنى قوله : وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا أي أولئك بأوصافهم من الغدر، وقتالهم للمؤمنين وفتنتهم، جعل الله لكم عليهم سلطانا مسوّغا لقتالهم، واضحا بينا لا شك فيه فقاتلوهم من غير استرابة ولا شك ولا تلكؤ. اللهم أعز الإسلام وانصرنا على القوم الكافرين.
زهرة التفاسير
أبو زهرة