ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن ثابت والبخاري عن البراء بن عازب والطبراني عن زيد بن أرقم وابن حبان من حديث ابن عاصم والترمذي عن ابن عباس نحوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى على زيد بن ثابت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله، قال زيد فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى، وفي حديث ابن عباس قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم : إنا عميان فأنزل الله تعالى عليه وفخذه على فخذي يعني على فخذ زيد بن ثابت فثقلت علي حتى خفت، أن ترض بفخذي، ثم سر عنه فأنزل الله تعالى مكانه لا يستوي القاعدون عن الجهاد من المؤمنين في موضع الحال من القاعدين أو من الضمير الذي فيه غير بالرفع صفة للقاعدين أو بدل منه، وغير هاهنا اكتسب التعريف لأن غير أولي الضرر هو من لا ضرر له فلا يرد أن إبدال النكرة من المعرفة يقتضي نعتها، والتوجيه بأن القاعدين معرفة في حكم النكرة لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم ضعيف لأن المعرفة وإن كان في الحكم النكرة لكن لا يوصف بشيء مما يوصف به النكرة إلا بجملة فعلية فعلها مضارع كما في قوله ولقد أمر على اللئيم يسبني، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الاستثناء ونصبه على الحال مشكل لكونه معرفة أولي الضرر في الصحاح الضر سوء الحال إما في نفسه لقلة العلم والفضل والعفة وإما في بدنه لعدم جارحة أو نقص فيها وإما في حالة الظاهر من قلة مال أو جاه، وفي القاموس : الضرر سوء الحال كالضر ومنه الضرير في ذاهب البصر، قلت : والمراد هاهنا غير أولي الزمانة أو المرض أو الضعف في البدن أو البصر أو المال بقرينة قوله تعالى : والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم يعني لا مساواة بينهم وبين غير المجاهدين بأنفسهم وأموالهم من غير عذر، وأما غير المجاهدين بعذر الزمانة أو العمى أو نحو ذلك من الأمراض وغيرها أو عدم وجدان ما ينفقون في سبيل الله من الأموال فهم قد يساوون المجاهدين في سبيل الله إذا كان نيتهم المجاهدة لو قدروا عليها، روى البخاري عن أنس وابن سعد عنه وعن جابر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال :" إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم " قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر " ١ وروى مقسم عن ابن عباس قال : لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين المؤمنين غير أولي الضرر لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثانية عين الأولى درجة منصوب بنزع الخافض أي بدرجة أو على المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل فضلهم تفصيلة كقولهم ضربته سوطا، أو على الحال بمعنى ذوي درجة والجملة موضحة للجملة السابقة من نفي الاستواء، وإنما لم يقتصر على هذه الجملة مع كونه مغنية عن نفي المساواة لأن نفي المساواة يتضمن التفضيل إجمالا ودلالة وفي التفضيل بعد الإجمال والتصريح بعد الدلالة مزيد التأكيد والتمكن. فإن قيل : عدم مساواة من عمل بطاعة أي طاعة كان ومن لم يعملها بديهي غير مخفي فأي فائدة في بيانه ؟ قلنا : فائدته التنبيه على ذلك والترغيب في الجهاد، والأولى أن يقال أنه قد يتأتى في حالة القعود عن الجهاد، من الطاعات بفراغ القلب وأداء حقوق الله تعالى الناس ما لا يتأتى في حالة الجهاد فيوهم ذلك فضل القاعد على المجاهد ففائدة هذه الآية دفع ذلك التوهم، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله " ٢ متفق عليه وكلا أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين بلا عذر وعد الله المثوبة الحسنى يعني الجنة بإيمانهم فيه دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية ولو كان فرضا على الأعيان لاستحق القاعد العقاب دون الثواب.
فصل : أجمعوا على أنه إذا كان الكفار قارين في بلادهم فعلى الإمام أن لا يخلو سنة من السنين عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون لم يهملوا الجهاد، فإذا قام على الجهاد فئة من المسلمين بحيث حصل بهم دفع شر الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى سقط عن الباقين، وحينئذ لا يجوز للعبد أن يخرج إلى الجهاد بغير إذن المولى ولا للمرأة بغير إذن الزوج ولا للمديون بغير إذن الدائن ولا للولد إذا منعه أحد أبويه لأن بغيرهم مقنعا فلا ضرورة إلى إبطال حقوق العباد وإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس إلا أولي الضرر منهم، وأجمعوا على أنه يجب على أهل كل قطر من الأرض أن يقاتلوا من يلونهم من الكفار فإن عجزوا ساعدهم الأقرب فالأقرب وكذا إذا تهاونوا مع القدرة يجب القيام به على الأقرب فالأقرب إلى منتهى الأرض. مسألة : وأجمعوا على أنه إذا التقى الصفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الفرار إلا أن يكونوا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة أو يكون الكفار أكثر من ضعف عدد المسلمين فيباح لهم الفرار لكمن الثبات حينئذ أفضل. مسألة : يشترط للجهاد الزاد والراحلة مع سلامة الأسباب والآلات عند الأئمة الثلاثة إذا تعين الجهاد على أهل بلد وكان بينهم وبين موضع الجهاد مسافة سفر، وقال مالك لا يشترط ذلك. لنا : قوله تعالى : غير أولي الضرر ومن لا زاد له ولا راحلة فهو من أهل الضرر وقوله تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ٣ الآية. مسألة : وأجمعوا على أنه إذا هجم العدو دار قوم من المؤمنين يجب على كل مكلف من الرجال حرا كان أو عبدا غنيا كان أو فقيرا ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى الجهاد وحينئذ يكون من فروض الأعيان فلا يظهر فيه حق العبد كالمولى والدائن والأبوين كما في الصلاة والصوم، وقال أبو حنيفة : تخرج المرأة أيضا بغير إذن زوجها فإن وقع بهم الكفاية سقط عمن ورائهم وإن لم يقع بهم الكفاية يجب على من يليهم إعانتهم وإن قعد من يليهم يجب على من ورائهم الأقرب فالأقرب والله أعلم.
وفضّل الله المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين المؤمنين غير أولي الضرر أجرا عظيما منصوب على المصدرية لأن فضل بمعنى أجر أو على أنه المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإعطاء كأنه قيل وأعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما.

١ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: من حبسه العذر عن الغزو (٢٨٣٩)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله (٢٧٨٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى (١٨٧٨)..
٣ سورة التوبة، الآية: ٩٢..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير