ثم ذكرهم بالنعم، فقال :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولقد مكناكم في الأرض ؛ تتصرفون فيها بالبناء والسكن، وبالغرس والحرس والزرع، وغير ذلك من أنواع التصرفات، وجعلنا لكم فيها معايش : أسبابًا تعيشون بها ؛ كالتجارة وسائر الحرف، قليلاً ما تشكرون على هذه النعم، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان، فأنتم جديرون بسلبها عنكم، وإبدالها بالنقم، لولا فضله ورحمته.
الإشارة : نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد، والمنقطعين إلى الله تعالى، فهم يذهبون في الأرض حيث شاؤوا، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها حيث شاؤوا، فهم متمكّنون من أمر دينهم ؛ لقلة عوائدهم، ومن أمر دنياهم ؛ لأنها قائمة بالله، تجري عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون، تخدمهم ولا يخدمونها ؛ " يا دنياي اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ". فمن قصّر منهم في الشكر توجه إليه العتاب بقوله : ولقد مكناكم في الأرض إلى قوله : قليلاً ما تشكرون ، ومن تحقق شكره قيل له :
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ
[ القصص : ٥، ٦ ]. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي