ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون [ الأعراف : ١٠ ].
تفسير المفردات : مكناكم في الأرض : أي جعلنا لكم فيها أمكنة تتبوءونها وتتمكنون من الإقامة فيها، والمعايش واحدها معيشة : وهي ما تكون به العيشة والحياة الجسمانية الحيوانية من المطاعم والمشارب وغيرها، وهي ضربان :
( ١ ) ما يحصل بخلق الله ابتداء كالثمار وغيرها.
( ٢ ) ما يحدث بالاكتساب.
وكلاهما إنما يحصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاما من الله، وذلك مما يوجب طاعته.
المعنى الجملي : بعد أن بين فيما سلف أن واضع الدين هو الله فيجب إتباعه دون ما يأمر به غيره من الأولياء والشفعاء، وقفى على ذلك بذكر عذاب الدنيا بقوله : وكم من قرية أهلكناها وذكر عذاب الآخرة بقوله : فلنسألن الذين أرسل إليهم ، وبقوله : والوزن يومئذ الحق .
أردف ذلك بذكر نعمه على عباده بتمكينهم في الأرض وخلق أنواع المعايش فيها، مع بيان أن كثرة النعم توجب عليهم الطاعة له.
الإيضاح : ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش أي ولقد جعلنا لكم فيها أوطانا تتبوءونها وتستقرون فيها وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة مني عليكم، وإحسانا مني إليكم، وأنشأنا لكم فيها ضروبا شتى من المنافع التي تعيشون بها عيشة راضية : من نبات وأنعام وطير وسمك ومياه عذبة وأشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال من جهة إلى أخرى تتقدم بتقدم العلم والاختراع من طيارات وسيارات وقطر برية وسفن بحرية، وسبل متعددة منكم لمداواة المرضى بالعقاقير المختلفة على يد نطس الأطباء إلى نحو ذلك.
وكل ذلك يقتضي منكم الشكر الكثير ولكن الشكر من العباد قليل كما قال : وقليل من عبادي الشكور [ سبأ : ١٣ ] ومن ثم عقب هذا بقوله :
قليلا ما تشكرون أي وأنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم، لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها فقد عبدتم سواي، واتخذتم الأولياء والشفعاء من دوني.
وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه، وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها.
فهذه النعم المعيشية ما خلقت إلا لحفظ الحياة الجسمانية للأفراد والجماعات، والاستعانة بذلك على حفظ الحياة الروحية التي بها تزكو الأنفس، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم والسعادة المستقرة إلى غير نهاية.
تفسير المراغي
المراغي