ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

[ ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون( ١٠ ) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين( ١١ ) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين( ١٢ ) قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين( ١٣ ) ]( الأعراف : الآيات١٠-١٣ ).
لما أمر الله ( جل وعلا ) خلقه في أول هذه السورة الكريمة فقال لهم :[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ]( الأعراف : آية ٣ ) ثم إنه وعظهم وأخبرهم أنه يسألهم، وانه يقص عليهم أعمالهم بعلم، وانه لم يكن غائبا عن شيء عملوه في دار الدنيا، وانه يزن أعمالهم بميزان فلا يخيس شعيرة، بين لهم انه أنعم عليهم في دار الدنيا من أنواع الإنعام إنعاما عظيما ينبغي لهم أن يشكروا له ذلك الإنعام، وأن لا يستعينوا بإنعامه على معصيته، فإن من أعظم أنواع اللؤم والخساسة أن ينعم علينا رب السماوات والأرض العظيم الأعظم بنعمه الكثيرة ثم نستعين بها على معصيته وما لا يرضيه ! ! هذا من أقبح القبيح، وأشنع الشنيع، الذي لا ينبغي لأحد أن يفعله.
وقد نبهنا في هذه الآيات على بعض الإنعام الذي أنعم علينا قال :[ ولقد مكناكم في الأرض ]( الأعراف : آية ١٠ ) والله لقد مكناكم في الأرض. أي : جعلناكم متمكنين فيها، متصرفين قادرين على استجلاب المعايش والرفاهية والراحة بما هيأنا لكم من الأسباب، جعلنا لكم الأرض ساكنة قابلة لأن تبنوا عليها، وتبنوا منها البيوت التي هي هنية لذيذة للمقام، ثم جعلناها قبلة لأنواع الازدراع لتزرعوا فيها ما تأكلون وما تلبسون، ثم خلقنا لكم الأنعام، وذللناها لكم، فمنها ركوبكم ومنها تأكلون، انبتنا لكم فيها الصوف، والأوبار، والأشعار لتلبسوا منها، وجعلنا لكم لحومها لتأكلوا منها، وأسمانها، وألبانها، وأزبادها، وجعلنا لكم الحديد لتستعينوا به على أمور دنياكم وفلاحتكم، إلى غير ذلك من سائر الأسباب والتمكين الذي مكنه في الدنيا.
وقال بعض العلماء :( مكناكم فيها ) أي : جعلنا لكم فيها أمكنة تسكنون بها في الدنيا ذاهبين وراجعين. والله جعل لنا الأرض تضمنا على ظهرها أحياء، وفي بطونها أمواتا كما يأتي في قوله :[ ألم نجعل الأرض كفاتا( ٢٥ ) أحياء وأمواتا( ٢٦ ) ]( المرسلات : الآيات ٢٦، ٢٥ )[ كتافا ] أي : محلا لكفتكم. أي : ضمكم. والكفت في لغة العرب : الضم. أي : تضمكم على ظهرها في دار الدنيا أحياء متنعمين بما فيها من المنافع والمعايش، وتضمكم في بطنها أمواتا إذا متم. ولذا قال هنا :[ ولقد مكناكم في الأرض ] والله ( جل وعلا ) مكن لعباده في الأرض. هيأ لهم الأرزاق، وانزل لهم المطر، وانبت لهم النبات، وخلق لهم الحيوانات وجميع المرافق التي تعينهم على دنياهم.
وقوله : وجعلنا لكم فيها معايش ]( الأعراف : آية ١٠ ) قرأه عامة القراء بالياء [ معايش ] بكسر الياء غير مهموز، وما رواه خارجة بن مصعب عن نافع من انه قرأها :[ معايش ] بالهمز لا أصل له، والرواية ضعيفة جدا، ومخالفة للقانون العربي. وكذلك ما روي عن ابن عامر من السبعة كله ضعيف لم يثبت، وهو مخالف للعربية. وقد زعم قوم أن همز [ معايش ] روي عن علي بن زيد والأعمش. والتحقيق أن القراءة التي عليها عامة المسلمين، منهم السبعة، والعشرة، وحفاظ من روى عنهم، وعامة القراء إلا من أشرنا إليه قرؤوا :[ معايش ] بالياء المكسورة من غير همز. والقاعدة المقررة في فن التصريف : أن المدة الثالثة إذا كانت زائدة وجب إبدالها همزة، ك( صحيفة ) فإن الياء زائدة ؛ لأن الصحيفة أصلها من ( صحف )بصاد، فحاء، ففاء. والياء زائدة. فهذه المدة الزائدة تقلب في جمع التكسير ( همزا ) ( في الأصل :" ياء " وهو سابق لسان )، فتقول في جمع ( الصحيفة ) : صحائف. وفي جمع( المدينة ) مدائن، وكذلك الواو والألف كلها إذا كانت زوائد أبدلت من مدتها في جمع التكسير المتناهي : همزا، فتقول في ( السحابة ) : سحائب. فتبدل الهمزة من الألف، وفي ( القلادة ) : قلائد، وفي ( العجوز )-بالواو-عجائز، فالهمزة مبدلة من الواو ؛ لأن المدة الثالثة زائدة. أما ( معيشة ) فالياء التي بعد العين فأصلها من الكلمة، أصلها : معيشة( مفعلة )-بكسر العين- وقيل معيشة ( مفعلة )-بفتح العين- والأول أظهر، نقلت حركة العين المعتلة للساكن الصحيح، وسكونه إليها، فصارت( معيشة ) فالياء أصلية. فيجب أن تجمع على معايش-بكسر الياء- وكذلك غيرها من الروايات يجب تصحيح الواو إذا كانت المدة أصلية، فتقول في ( المقام ) : مقاوم، وفي ( المعونة ) : معاون، وتقول في كل ما هو أصلي بالواو كمخافة، ومخاوف وملامة، وملاوم ؛ لأن المدة فيها أصلية، كمعيشة، ومعايش. ومن تصحيح ما أصله واو قول الشاعر :

وإني لقوام مقاوم لم يكن جرير ولا مولى جرير يقومها
صحح واو( مقاوم ) ولم يقل : مقائم ؛ لأن الألف في المقام أصلية في محل العين، ومنه قول الآخر :
وما هي غلا بنت خمس وأربع مغاور همام على حي خثعم
فصحح الواو، وهو جمع( مغار ) من : أغار القوم على القوم، يغيرون إغارة، ومغارا. وألف المغار أصلية.
والحاصل أن المدة الأصلية تصحح في جمع التكسير، سواء كانت ياء، أو واوا، والمدة الزائدة تبدل همزة، سواء كانت ألفا، أو ياء، أو واوا. فالقراءة الصحيحة التي عليها العشرة وجمهور القراء الموافقة لقاعدة اللغة العربية :[ معايش ] بكسر الياء.
والمعايش : جمع معيشة، والمراد : ما يعيشون به في دار الدنيا، مما سبب لهم من أسباب المعيشة، مما جعل لهم من الثمار، والزروع، والدواب، وجعل لهم في الدواب من الألبان، والسمان، والأزباد، واللحوم إلى غير ذلك مما هيأه في دار الدنيا إكراما منه عليهم يعيشون به في دار الدنيا. وهذا معنى قوله :[ ولقد مكانكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ]( الأعراف : آية ١٠ )
ثم إن الله عابهم فقال :[ قليلا ما تشكرون ]( العراف : آية ١٠ ) ف [ قليلا ] نعت لمصدر محذوف، و( ما ) توكيد للقلة. والمعنى :[ تشكرون ] شكرا قليلا ما ؛ لأنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة.
وأصل الشكر في لغة العرب : أصل مادته تميل إلى معنى الظهور. والعرب تقول : ناقة شكور. إذا كان يظهر عليها السمن. والشكر يطلق في القرآن من الرب لعبده، ومن العبد لربه، فمن إطلاق شكر العبد لربه قوله :[ أن اشكر لي ولوالديك ]( لقمان : آية ١٩ ) ومن شكر الرب لعبده قوله[ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم( ١٥٨ ) ]( البقرة : آية ١٥٨ ) وقوله :[ إن ربنا لغفور شكور ]( فاطر : آية ٣٤ ) فمعنى شكر العبد لربه : هو معناه في الاصطلاح. وأصل الشكر في لغة العرب : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما.
والحمد في لغة العرب : هو الثناء بالثناء الجميل باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواء كان من باب الإحسان أو من باب الاستحقاق.
والحمد لغة : يطلق على الشكر اصطلاحا، والشكر اصطلاحا يطلق على الحمد لغة. فبينهما تعاور وتعاقب.
والمراد بشكر العبد لربه : هو أن تظهر نعمة ربه عليه، فيظهر تلك النعمة، ويستعمل جميع ما أنعم الله عليه في طاعة من خلقه ( جل وعلا ). فهذه العيون التي تبصرون بها نعم عظيمة انعم الله عليكم بها، فشكر من خلقها عليها أن لا تنظروا بها إلا في شيء يرضي من خلقها، فلا تنظر أيها العبد بعينيك اللتين انعم الله بهما عليك في شيء حرمه الله عليك، فتكون مستعينا بنعمته على معصيته ! ! هذا فعل لا يليق، فعل خبيث، فعل يدل على لؤم صاحبه وحمقه وقلة عقله. وشكر هذه اليد التي أعطاك الله إياها، وفرق لك أصابعها، وأبعد إبهامها من سبابتها ليمكنك العقد والحل بها- فلو جعل الإبهام مقترنا بالسبابة لما حللت شيئا ولا عقدت شيئا-شكر هذه اليد ان لا تبطش بها في شيء إلا شيئا يرضي من خلقها ( جل وعلا )، فلا تكتب بها ما لا يرضي الله، ولا تضرب بها ضربا لا يرضي الله، ولا تفعل بها فعلا لا يرضي الله. وهذه القدم التي انعم الله عليك بها تمشي بها، شكرها أن لا تسعى بها لشيء إلا لشيء يرضي من خلقها، وهكذا. فالمال الذي أنعم الله عليك به شكره أن لا تستعين به إلا في شيء يرضي من أعطاك إياه. وكذلك الجاه، إذ أعطاك الله جاها، ومنزلة ومكانة يمكنك التصرف فيها وتسهيل الأمور فلا تستعن بتلك النعمة إلا على شيء يرضي من خلقها، لا لنفسك ولا لغيرك، فلا تشفع بجاهك في وصول إنسان إلى محرم، أو ظلم إنسان لإنسان، فكل ذلك من كفر النعمة وعدم شكرها.
فعلينا جميعا أن نشكر خالقنا، وأن نستعين بنعمه على ما يرضيه ؛ لأن العبد إذا عرف قدر ذله وضعفه ومهانته، وعرف قدر عظم ربه وجلالة شأنه، وعرف ما أنعم عليه ربه به من النعم من غير استحقاق عليه، ثم صرف تلك النعم أشد اللؤم وأعظم الوقاحة، ولا ينبغي أن يقدم عليه عاقل ! ! فعلينا جميعا أن نلاحظ نعم الله علينا، وأن لا نستعملها في شيء لا يرضيه ؛ لأن استعانتنا بنعمه على ما يسخطه أمر قبيح منا، ولؤم شنيع لا ينبغي لعاقل أن يقدم عليه.
أما شكر الرب لعبده فقد قال بعض العلماء : هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، كما بين أن العبد يعمل حسنة واحدة فيجعلها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله.
ومادة الشكر تتعدى بنفسها إلى المفعول إذا كان المفعول هو النعمة، وتتعدى باللام في اللغة الفصحى إذا كان المفعول هو المنعم، فهنا فرق دقيق في العربية لا يلاحظه كثير من طلبة العلم، فالفعل الذي هو ( شكر ) إن كان مفعوله النعمة تعدى إلى النعمة بنفسه لا بحرف تعدي، كقوله :[ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ]( النمل : آية ١٩ ) ف[ نعمتك ]مفعول به ل [ أشكر ]. أما إذا كان الشكر للمنعم فاللغة الفصحى التي لم يأت في القرآن غيرها أنه لايتعدى الشكر إلى المنعم إلا باللام، فتقول : شكرا لك، وأنا أشكر لك، واحمد الله وأشكر له. ولا تقول : وأشكره ؛ لذا يقول الله :[ أن اشكر لي ولوالديك ]( لقمان : آية ١٤ )[ واشكروا لي ولا تكفرون ]( البقرة : آية ١٥٢ ) ولم يأت في القرآن تعدية الشكر إلى المنعم إلا بحرف الجر الذي هو اللام، فهذه هي اللغة الفصحى بلا نزاع بين من يحمل القلم العربي. أما لو قال " وأشكره " من غير لام فقد أفرط قوم وقالوا : هذا لحن لا يجوز في العربية. والتحقيق : أن تعدية الشكر إلى المنعم بدون لام أنها لغة مسموعة جائزة، إلا أنها ليست هي اللغة الفصحى المشهورة، ومن شواهد هذه اللغة قول أبي نخيلة :
شكرتك إن الشكر حبل من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضي
فقد قال :" شكرتك " ولم يقل : شكرت لك، ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر في شعره المشهور :
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما عن عجتما لي ساعة شكرتكما حتى أغيب في قبري
فقد قال :" شكرتكما " فتحصل من هذا الكلام أن الشكر يقع على النعمة بلا حرف جر إجماعا، وأن شكر المنعم يتعدى باللام في اللغة المشهورة، وربما تعدى بنفسه.
وقوله :[ قليلا ما تشكرون ]( الأعراف : آية ١٠ ) نعت لمصدر، أي تشكرون شكرا قليلا. و( ما ) تأكيد للقلة، ولفظة( ما ) تأتي لتأكيد في قلتها وحقارتها. قال بعض العلما

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير