(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)
* * *
بين الله - تعالى - ما أنعم به على الناس أجمعين وثنيين ومؤمنين، طائعين وعاصين، فنعم الله تعالى الدنيوية تعم ولا تخص (... وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
وقوله: (مَكَّنَّاكُمْ)، أي جعلناكم ممكنين منها تفترشونها، وقد مهدها لكم تمهيدا وجعلها لكم مستقرا ومقاما تنتفعون بها، وجعل لكم من زروعها وثمارها ومعادنها، وما أودع أرضها من فلزات ما تتمتعون، وجعل - سبحانه وتعالى - لكم فيها معايش وهي جمع معيشة، والمراد ما تتعيشون مما أخرجت الأرض، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢).
وإن المعايش التي جعلها لنا في الأرض قد ذكر بعضها، من ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرع مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ
وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢).
هذه بعض النعم التي اتخذ الإنسان منها معايش له.
وإن قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ) فيه توكيد من الله تعالى بهذا التمكين وذلك الاستقرار وذلك التأكيد اللفظي باللام وقد، وهو تأكيد للفعلين اللذين جاءا بعد ذلك.
وكان هذا التأكيد لتذكير الذين لَا يؤمنون بفضل هذه النعم وحق شكرها ولكن الشاكرين قليلون في عددهم بالنسبة للكافرين بها للذين لم يؤدوا حقها.
ولذا قال تعالى: (قَلِيلًا مَّا تَشْكرونَ)، " قليلا " نائب عن المفعول المطلق لـ " تشكرون ". و " ما " ليقوي معنى القلة، والمعنى تشكرون شكرا قليلا، أيَّ قلة بالنسبة لهذه النعم، إنه مهما يكن شكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لنعم الله تعالى، وهو ولي النعم.
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
* * *
ذكر - سبحانه وتعالى - في هذه الآيات وما يليها قصة خلق آدم ومعاندة إبليس، وقد سبق ذكرها في سورة البقرة وليس ذكرها هنا تكرارا لما ذكر هناك أولا، فإنه إذا كررت بعض الوقائع، فإنه قد زيد هنا الفتنة التي فتن به الشيطان النفس البشرية فعلا، وهي تشابه مع ما أدى إليه الاندفاع وراء إبليس من بدء السورة، وأن آدم وحواء قد بدآ يخصفان عليهما من ورق الجنة، فقد فتن المشركين، حتى جعلهم يطوفون عراة كما أدت وسوسته لآدم وحواء إلى أن بدت لهما سوءاتهما.
صفحة رقم 2794زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة