ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

قال : الله تعالى يا لإبليس ما منعك يعني شيء منعك ألا تسجد أي من أن تسجد ولا زائدة كما في لئلا يعلم (١) مؤكدة لمعنى الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على الموبخ عليه ترك السجود، وقيل : الممنوع من الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل : ما اضطرك إلى أن تسجد، وجاز أن يكون تقدير الكلام ما منعك من الامتثال وبعتك على أن تسجد إذا أمرتك بالسجدة فيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والسؤال عن المانع من السجود مع العلم به للتوبيخ وإظهار معاندته وكفره واستكباره، قال إبليس أنا خير منه جواب من حيث المعنى، استأنف به استعبادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله كأنه قال : المانع منه كوني خيرا منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فلا يحسن أن يؤمر به، ففي الكلام اعتراض على الله سبحانه في الأمر بالسجود خلقني من نار جوهر نوراني مستعل وخلقه من طين جوهر ظلماني مستسفل، قال : ابن عباس أول من قاس إبليس فأخطأ في القياس فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس، وقال : ابن سيرين ما عبدت الشمس إلا بالمقايس، قلت : وليس في هذين القولين إبطال القياس بل تخطئته لقياسه فإنه قياس في مورد النص ولذلك قال : من قاس الدين بشيء من رأيه يعني على خلاف النصوص الواردة وأيضا تعليل الفضل والخيرية بالإضاءة والاستعلاء باطل إنما الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وقد فضل الله تعالى آدم على جميع خلقه حيث خلقه بيد ونفخ فيه من روحه وجعله مستعدا لتعلم أسمائه كلها ومهبطها لتجلياته ومتقربا من الله تعالى بالفرائض والنوافل بامتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه ومتحملا لأمانته التي أشفقت عنها السماوات والأرض والجبال. فإن قيل : الخطأ في الاجتهاد معفو ؟ قلنا : إنما إن كان ذلك القائس طالبا للحق باذلا جهده في طلبه لا إذا كان متعنتا باغيا الاستعلاء نفسه وإلزام الخصم ألا ترى أن أقول الملائكة : أ تجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أيضا قياس فيه خطأ، ولذا رد الله تعالى قولهم بقوله إني أعلم ما لا تعلمون (٢) ولم يردهم أنفسهم حيث لم يصدر ذلك القول منهم استكبارا وتعنتا بل لطلب الحق واستعلام الحكمة، ولذلك قالوا عند ظهور الحكمة سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (٣) قالت الحكماء للطين فضل على النار من وجوه فإن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاحتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب لجمع الأشياء والنار سبب لتفقريها ولأن الطين سبب لحياة النبات والنار سبب لهلاكها وإضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب وتلك الإضافة تدل على أن العمدة في أجزاء الإنسان إنما هم عالم الخلق دون عالم الأمر تابع به ويتصف بالخبرية والشرية بتبعيته ويتلون بلونه، ألا ترى أن الروح تعلق بجسد الإنسان كما تعلق بجسد الشيطان فتلون في كل على هيئة ومثله كمثل الشمس تجلت في المرأة فتصورت بصورتها وتلونت بلونها قال : المجدد رضي الله عنه كمال الترقي بعالم في الأمر إلى ظلال الصفات إلا الأخفى منها فإنها ترتقي إلى بعض الصفات وكمال الترقي للنفس المنبعث من لطائف عالم الخلق إلى ظاهر الصفات وكمال الترقي للعناصر الثلاثة إلى باطن الصفات أي من حيث قيامها بالذات والترقي إلى مرتبة الذات مختصة بعنصر الطين كما أن نور الشمس لا يظهر إلا على أكثف الأشياء دون ألطفها والله أعلم

١ سورة الحديد، الآية: ٢٩..
٢ سورة البقرة، الآية: ٣٠..
٣ سورة البقرة، الآية: ٣٢..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير