المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عباده في الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين في الأرض وخلق أنواع المعايش فيها ـ قفى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنساني مستعدا للكمال وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
الإيضاح : قال ما يمنعك ألا تسجد إذ أمرتك لا هنا مزيدة للتأكيد بدليل قوله في آية أخرى : ما منعك أن تسجد [ ص : ٧٥ ] أي قال له تعالى : ما منعك من امتثال أمري، فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين.
وقد تكون " لا " غير زائدة والمنع بمعنى الحمل والاضطرار، وعليه فالمعنى : ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد.
وخلاصة ذلك : أي شيء عرض لك فحملك على ألا تكون مع الملائكة في امتثال أمري بالسجود ؟
ثم ذكر سببا يبرر به امتناعه عن السجود.
قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين أي إن الذي حملني على ذلك أني خير منه ؛ إذ أنك خلقتني من النار وخلقته من الطين، والنار خير من الطين وأشرف، والشريف لا يعظم من دونه ولو أمره بذلك ربه.
ولا شك أن في هذا ضروبا من الجهالة وأنواعا من الفسوق والعصيان تتجلى لك فيما يلي :
( أ ) اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
( ب ) احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمر ربه يعلم أن لله الحجة البالغة، والحكمة الكاملة، فيما يفعل ويأمر وينهى.
( ج ) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفع عن مرتبة العبودية، والمرؤوس في الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه، صار الأمر فوضى والعاقبة وخيمة، فلا يصلح عمل ولا يتم الفوز والنجاح.
وقد روى أبو نعيم في الحلية عن جعفر الصادق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس.
( د ) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ولا تثبت بالبرهان، إلى أن كثيرا من المواد النفسية خسيسة الأصل، ألا ترى أن أصل المسك الدم، والماس من الكربون : الذي هو أصل الفحم، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
( ه ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي في هذه الأرض إما من الطين مباشرة أو بالواسطة وهي خير ما فيها، وليس للنار شيء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
( و ) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم.
وكل ما قدمنا مبني على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حواري بين الله وإبليس.
ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فالانتفاع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذلك ظهرت حكمة الله تعالى وآياته فيها ؛ كما اصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين بدينه وهديه، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوا له وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله تعالى وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم ( وهم الشياطين ) التمرد والعصيان.
كما أنه تعالى آتى الإنسان إرادة واختيارا إن شاء صعد إلى أفق الملائكة، وإن أراد هبط إلى أفق الشياطين.
تفسير المراغي
المراغي