ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

يقول الله جل وعلا [ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين( ١٢ ) قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين( ١٣ )( الأعراف : الآيتان١٣، ١٢ ) تكلمنا بالأمس على قوله :[ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ] وقوله ( جل وعلا ) حكاية عن إبليس :[ قال أنا خير منه ] كأن الله لما سأل إبليس- وهو عالم ؛ لأنه ( جل وعلا ) أعلم بالموجب الذي بسببه امتنع ابليس من السجود- قال له :[ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ] ؟ وهو أعلم، فأجاب ابليس- عليه لعائن الله- بما كان يضمره من الكبر، وكأنه اعترض على ربه، وواجه ربه ( جل وعلا ) بأن تكليفه إياه أمر لا ينبغي ولا يصلح ! ! فخطأ ربه ( جل وعلا ) سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ! ! وجعل ذلك ذريعة له ومبررا في زعمه الباطل لعدم السجود، قال[ أنا خير منه ] كيف تأمرني أن أسجد لآدم ؟ وأنا أفضل من آدم، والفاضل ليس من المعقول أن يؤمر بالسجود للمفضول، فهذا التكليف ليس واقعا موقعه ! ! فهذا قول اللعين لعنه الله ! !
[ أنا خير منه ]( خير ) تستعمل استعمالين ) :
تستعمل اسما للخير هو ضد الشر، وكثيرا ما تستعمل في المال، كقوله :[ إن ترك خيرا ]( البقرة : آية ١٨٠ ) أي : مالا.
وتستعمل صيغة تفضيل، وهو المراد هنا. فقوله :[ أنا خير منه ] أصله : أنا أخير منه. أي : أكثر خيرا منه لفضل عنصري على عنصره. ولفظة ( خير ) و( شر ) جعلتهما العرب صيغتي تفضيل، وحذفت همزتهما لكثرة الاستعمال، كما قال ابن مالك في الكافية :

وغالبا أغناهم ( خير ) و( شر ) عن قولهم ( أخير منه ) و( أشر )
قال إبليس اللعين : أنا خير من آدم، والذي هو الفاضل، والذي هو أكثر فضلا وخيرا لا ينبغي ان يهضم ويؤمر بالسجود لمن هو دونه، فهذا التكليف ليس واقعا موقعه ؛ ولذا لا امتثله ! ! فتكبر وتجبر، وجعل تكليف ربه له واقعا غير موقعه- عليه لعائن الله- فباء بالخيبة والخسران- نعوذ بالله ( جل وعلا )-قال إبليس : أنا خير من آدم. ثم بين سبب الخيرية فقال :[ خلقتني من نار ]( الأعراف : آية ١٢ ) يعني : أن عنصري أشرف من عنصره ؛ لأن النار- في زعمه- أشرف من الطين ؛ لأن النار مضيئة نيرة، طبيعتها الارتفاع، خفيفة غير كثيفة، وان الطين منسفل كثيف مظلم ليس بمرتفع ! ! هذا في زعمه. وزعم أن الفرع تابع لعنصره في الفضل، فقاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وقاس آدم على عنصره الذي هو الطين، واستنتج من ذلك انه خير من آدم ؛ لأنه عنصره في زعمه خير من عنصره ( ورتب على ذلك معصية الأمر ) ( في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها المعنى ) الذي هو : اسجدوا لآدم- على إبليس لعنة الله- وأول من قاس قياسا ورد به نصوص الله وأوامره ونواهيه هو إبليس اللعين- عليه لعائن الله- فكل من رد نصوص الشرع الواضحة بالقياسات الباطلة عنادا وتكبرا فإمامه إبليس ؛ لأنه أول من رد النصوص الصريحة بالمقاييس الكاذبة- عليه لعنة الله-.
وقياس لإبليس هذا باطل من جهات عديدة :
الأول منها : انه مخالف لنص رب العالمين ؛ لأن الله يقول :[ اسجدوا لآدم ]( الأعراف : آية ١١ ) وكل قياس خالف أمر الله الصريح فهو قياس باطل باطل باطل، وقد تقرر في علم الأصول : أن كل قياس خالف نصا من كتاب أو سنة فهو باطل، ويقدح فيه بالقادح المسمى ( فساد الاعتبار ) ومخالفة القياس للنص تسمى( فساد الاعتبار ) وتدل على بطلان القياس. فهذا وجه من أوجه بطلانه ؛ لأنه مخالف للنص الصريح، ولا إلحاق ولا قياس مع وجود النصوص الصريحة.
الثاني : أن إبليس كاذب في أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار ؛ لأن طبيعة الطين : الرزانة، والتؤدة، والإصلاح، والجمع، وتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة. وإذا نظرت إلى البساتين المغروسة في طين طيب ووجدت ما فيها من أنواع الثمار الجنية، والروائح، والأزهار، والثمار عرفت قيمة الطين، أما النار فطبيعتها الطيش، والخفة، والتفريق، والإفساد، فكلما وضعت شيئا فيها فرقته وفسدته، وطبيعتها الطيش والخفة، يطير من هنا فيحرق ما هنالك، ثم يطير الشرر من هناك فيحرق ما وراءه، والذي طبيعته الطيش، والخفة، والإفساد، والتفريق لا يكون خيرا من الذي طبيعته التؤدة، والرزانة، والجمع، والإصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة ! ! فالطين خير من النار بأضعاف ؛ ولذا غلب على إبليس عنصره وهو الطيش والخفة، فطاش وتمرد على ربه، وخسر الخسران الأبدي، وغلب على آدم عنصره الطيني فلما وقع في الزلة رجع إلى السكينة، والتؤدة، والتواضع، والاستغفار لربه حتى غفر له.
الثالث : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين فشرف الأصل لا يدل على شرف الفرع، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع، وكم من أصل وضيع وفرعه رفيع.
لئن فخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع ! !
واعلم أن العلماء في هذا المحل يعيبون القياس، ويذمون الرأي، ويقولون : إن من قاس فقد اتبع إبليس ؛ لأنه أول من رد النصوص بالقياس. وعن ابن سيرين رحمه الله : ما عبدت الشمس إلا بالقياس. ويكثر في كلام السلف ذم الرأي والقياس. ومن أشنع من يحمل على المجتهدين في القياس : الظاهرية، وبالأخص أبو محمد بن حزم- عفا الله عنا وعنه- فإنه حمل على أئمة الهدى- رحمهم الله- وشنع عليهم تشنيعا عظيما، وسخر منهم سخرية لا تليق به ولا بهم، وجزم بأن كل من اجتهد بشيء لم يكن منصوصا في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ضال، وانه مشرع ! ! وحمل على الأئمة وسخر من قياساتهم، وجاء بقياسات كثيرة للأئمة وسفهها وسخر من أهلها، فتارة يسخر من أبي حنيفة –رحمه الله- وتارة من مالك، وتارة من احمد، وتارة من الشافعي، لم يسلم منه احد منهم في قياساتهم ! ! ومن عرف الحق عرف أن الأئمة- رحمهم الله- أنهم أولى بالصواب من ابن حزم، وان ما شنع عليهم فهم أولى بالصواب منه، وانه هو حمل عليهم وهم أولى بالخير منه، وأعلم بالدين منه، وأعمق فهما بنصوص الكتاب والسنة منه. وهذا باب كثير، فابن حزم يقول : لا يجوز اجتهاد كائنا ما كان، ولا يجوز أن يتكلم في حكم إلا تبعا لنص من كتب أو سنة، أما من جاء بشيء لم يكن منصوصا في الكتاب ولا السنة فهو مشرع ضال، ويزعم أن ما ألحقه الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال، ويستدل بعشرات الآيات، إن لم تكن مئات الآيات فلا أقل من عشرات الآيات. يقول : الله قال :[ اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ]( الأعراف : آية ٣ ) والمقاييس لم تنزل علينا من ربنا ! ! ويقول :[ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ]( سبأ : آية ٥٠ ) فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس. ويقول :[ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ]( المائدة : آية ٤٩ ) والمقاييس لم تكن مما انزل الله. ويقول :[ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ][ فأولئك هم الظالمون ] [ فأولئك هم الفاسقون ]( المائدة الآيات ٤٧، ٤٥، ٤٤ ) والقياس لم يكن مما أنزل الله، ويأتي بنحوها الآيات من هذا بشيء كثير جدا، ويقول : عن القياس لا يفيد إلا الظن، والله يقول :[ إن الظن لا يغني من الحق شيئا ]( يونس : آية ٣٦ ) وفي الحديث :" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". ويقول : إن كل ما لم يأت بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه ( لأنه عفو )( في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفتين( ) زيادة يتم بها المعنى ).
ومن ذلك : أن الله حرم أشياء، واحل أشياء، وسكت عن أشياء لا نسيانا رحمة بكم فلا تسألوا عنها، وفي الحديث :" ما سكت الله عنه فهو عفو ".
ويقول : إن ما لم يأت في كتاب ولا سنة فالبحث عنه حرام، وهو معفو لا مؤاخذة به. وهو غالط من جهات كثيرة، منها : أن ما سكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفوا كما قال، فنحن مثلا أوجب علينا صوم شهر واحد من السنة وهو رمضان، وسكت الوحي عن إيجاب شهر آخر، فلم يجب علينا إلا هذا ؛ لأن ما سكت عنه فهو عفو. وأوجبت علينا الصلوات وغيرها لم يكن علينا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ضمام بن ثعلبة قال :" لا " لما قال له الأعرابي ضمام : هل علي غيرها ؟ قال :" لا، إلا أن تطوع ". أما إنها توجد أشياء لا يمكن أن تكون عفوا ولا بد من النظر فيها والاجتهاد. ومن نظر إلى جمود ابن حزم علم انه على غير هدى، وان الهدى مع الأئمة رحمهم الله.
والذي يجب اعتقاده في الأئمة-رحمهم الله- كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، والشافعي-رحمة الله على الجميع- أن ما اجتهدوا فيه أكثره أصابوا فيه، فلهم أجر اجتهادهم وأجر إصابتهم، وانه لا يخلو احد من خطأ، فلا بد أن يكون بعضهم أخطأ فيما اجتهد فيه، فما أخطئوا فيه فهم مأجورون لاجتهادهم، معذورون في خطئهم- رحمهم الله- والصحابة كانوا يجتهدون كما كان يجتهد الأئمة-رحمهم الله- وسنلم بأطراف من هذا ؛ لأن هذا باب واسع لو تتبعناه لمكثنا فيه زمنا طويلا ! ولكن إلمامات بقدر الكفاية :
أولا : ليعلم السامعون أن ما كل ما سكت عنه الوحي يمكن أن يكون عفوا، بل الوحي يسكت عن أشياء لا بد ألبتة من حلها. ومن أمثلة ذلك : مسألة العول، فكما قال الفرضيون : إن أول عول نزل في أيام عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها، فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقال الزوج : يا أمير المؤمنين : هذه تركة زوجتي، ولم تترك ولدا، والله يقول في محكم كتابه :[ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ]( النساء : آية ١٢ ) فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد، فلي نصف ميراثها بهذه الآية، ولا أتنازل عن نصف ميراثي بدانق. فقامت الأختان فقالتا : يا أمبير المؤمنين هذه تركة اختنا، ونحن اثنتان، والله يقول :[ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ]( النساء : آية ١٧٦ ) والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق. فقال عمر- رضي الله عنه- : ويلك يا عمر، والله إن أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطيت الثلثين الأختين لم يبق للزوج نصف ! ! فنقول : يا ابن حزم كيف نسكت عن هذا ؟ وكيف يكون هذا عفو ؟ ! والوحي سكت عن هذا ولم يبين أي النصين ماذا نفعل فيهما ؟ ! فهذا لا يمكن أن يكون عفوا، ولا بد من حله ! ! فلا نقول لهم : تهارشوا على التركة تهارش الحمر، أو ننزعها من واحد إلى الآخر، فلا بد من إلحاق للمسكوت عنه بالمنطوق به، وحل معقول بالاجتهاد. فجمع عمر –رضي الله عنه- الصحابة وأسف كل الأسف انه لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العول بمثل هذا. وقال له العباس بن عبد المطلب-رضي الله عنه- يا أمير المؤمنين : أرأيت هذه المرأة لو كانت تطالب بسبعة دنانير دينا، وتركت ستة دنانير فقط، ماذا كنت فاعلا ؟ ! قال : أجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء، وأعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيبا من الستة. قال : كذلك فافعل، وأصل فريضتها من ستة ؛ لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين. وثلثا الأختين يخرجان من ثلاثة، ومخرج الثلث ومخرج النصف متباينان، فنضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اجعل نصفة زائدة هي المسم

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير