ويقول الحق بعد ذلك :
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( ١٢ ) .
ثم قال كما يحكي القرآن الكريم : أأسجد لمن خلقت طينا ( من الآية ٦١ سورة الإسراء )، وهكذا كان الموقف استكبارا واستعلاءً. وقوله الحق : ما منعك أن تسجد ( من الآية ٧٥ سورة ص ) : ونحن حين نحلل هذا النص، نجد قوله : ما منعك أي ما حجزك، وقد أورد القرآن هذه المسألة بأسلوبين، فقال الحق مرة : ما منعك ألا تسجد . وقال مرة أخرى : ما منعك أن تسجد . وهذا يعني أن الأسلوب الأول جاء ب " لا " النافية، والأسلوب الثاني جاء على عدم وجود " لا " النافية. وقوله ما منعك أن تسجد كلام سليم واضح ؛ يعني : ما حجزك عن السجود. لكن ما منعك ألا تسجد هي التي تحتاج لوقفة. لذلك قال العلماء : إن " لا " هنا زائدة، ومن أحْسَن الأدب منهم قال : إن " لا " صلة. لكن كلا القولين لا ينفع ولا يناسب ؛ لأن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة " منع " ولأي أمر تأتي، وأنت تقول : " منعت فلانا أن يفعل "، كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته.
إذن ما منعك أن تسجد كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود، فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد. لكن ذلك لم يحدث. وتأتي " منع " للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع، وهناك فرق بين ممنوع، وممتنع ؛ فممنوع هي في منعك أن تسجد ، وممتنع تعني أنه امْتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنّه أقنعه. وإن كان المنع من الامتناع فالأسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي وهو المنع عن السجود. وهذا هو السبب في وجود التكرار في القرآن. ولذلك قال الحق سبحانه : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ( من الآية ١٢ سورة الأعراف ).
وسبحانه قد أمر الملائكة وكان موجودا معهم إما بطريق العلو، لأنه فاق الملائكة وأطاع الله وهو مختار فكانت منزلته عالية، وإما بطريق الدنو ؛ لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة والجبلة، وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد، ولكنه قال في الرد على ربه : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ١٢ [ سورة الأعراف ].
وسبحانه لم يسأل إبليس عن المقارنة بينه وبين آدم، ولكن سأله وهو يعلم أزلا أنّ إبليس قد امتنع باقتناع لا بقهر، ولذلك قال إبليس : أنا خير منه، فكأن المسألة دارت في ذهنه ليوجد حيثية لعدم السجود. ولا يصح في عرفه الإبليسي أن يسجد الأعلى للأدنى، فمادام إبليس يعتقد أنه خير من آدم ويظن أنه أعلى منه، فلا يصح أن يسجد له. وأعلى منه لماذا ؟ لأنه قال : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فكأن النار لها علو، وهو في ذلك مخطئ تماما لأن الأجناس حين تختلف ؛ فذلك لأن لكل جنس دوره، ولا يوجد جنس أفضل من جنس، النار لها مهمة، والطين له مهمة، والنار لا تقدر أن تؤدي مهمة الطين، فلا يمكن أن نزرع في النار.
إذن فالخيرية تتأتى في الأمرين معا ما دام كل منهما يؤدي مهمته، ولذلك لا تقل : إن هذا خير من هذا، إنما قل : عمل هذا أحسن من عمل هذا، فكل شيء في الوجود حين يوضع في منزلته المرادة منه يكون خيرا، ولذلك أقول : لا تقل عن عود الحديد إنه عود مستقيم، وتقول عن الخطاف : إن هذا العود أعوج، لأن مهمة الخطاف تقتضي أن يكون أعوج، وعوجه هو الذي جعله يؤدي مهمته، لأن الخيرية تتأتى في متساوي المهمة، ولكن إبليس قال : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ.. ١٢ [ الأعراف ] : قالها للمعاندة، للكبر، للكفر حين أعرض عن أمر الله وأراد أن يعدل مراد الله في أمره، وكأنه يخطِّئ الحق في أمره، ويردّ الأمر على الآمر. فما كان جزاء الحق سبحانه وتعالى لإبليس إلا أن قال له : قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ١٣ .
تفسير الشعراوي
الشعراوي