ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

وجملة : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل : فماذا قال له الله ؟ و«لا » في أَلا تَسْجُدَ زائدة للتوكيد بدليل قوله تعالى في سورة ص : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ؛ وقيل إن منع بمعنى قال، والتقدير : من قال لك أن لا تسجد ؛ وقيل منع بمعنى دعا، أي ما دعاك إلى أن لا تسجد. وقيل : في الكلام حذف، والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى أن لا تسجد إِذْ أَمَرْتُكَ أي وقت أمرتك، وقد استدل به على أن الأمر للفور، والبحث مقرر في علم الأصول، والاستفهام في مَا مَنَعَكَ للتقريع والتوبيخ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك، وجملة : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل : فما قال إبليس ؟ وإنما قال في الجواب أنا خير منه، ولم يقل : منعني كذا، لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه. والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. ثم علل ما ادّعاه من الخيرية بقوله : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ اعتقاداً منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين. وقد أخطأ عدوّ الله، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه، وطول بقائه، وهي حقيقة مضطربة سريعة النفاد، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها، وهي عذاب دونه، وهي [ محتاجة ] إليه لتتحيز فيه، وهو مسجد وطهور، ولولا سبق شقاوته، وصدق كلمة الله عليه، لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : والوزن يَوْمَئِذٍ الحق قال : العدل فَمَن ثَقُلَتْ موازينه قال : حسناته وَمَنْ خَفَّتْ موازينه قال : حسناته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، توزن الأعمال. وقد ورد في كيفية الميزان والوزن والموزون أحاديث كثيرة.
وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر، فيقول : أتنكر من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا ربّ، فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا يا ربّ، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة، وإنّه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول : يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " وقد صححه أيضاً الترمذي، وإسناده أحمد حسن.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، في قوله : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم قال : خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء.
وأخرج الفريابي عنه أنه قال : خلقوا في ظهر آدم، ثم صوّروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال : أما خلقناكم فآدم، وأما ثم صوّرناكم فذريته.
وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال : خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار، وخلق آدم مما وصفه لكم» وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : أوّل من قاس إبليس في قوله : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ وإسناده صحيح إلى الحسن. وأخرج أبو نعيم في الحلية، والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم، فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه، قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث، فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوّة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : فبِمَا أَغْوَيْتَنِي أضللتني. وأخرج عبد بن حميد، عنه، في قوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم قال : طريق مكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس وَعَنْ أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ قال : أسنّ لهم المعاصي وأحق عليهم الباطل وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين قال : موحدين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يقول : من حيث يبصرن وَمِنْ خَلْفِهِمْ من حيث لا يبصرون وَعَنْ أيمانهم من حيث يبصرون وَعَن شَمَائِلِهِمْ من حيث لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه، أيضاً في الآية قال : لم يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من فوقهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله : مَذْءومًا قال : ملوماً، مدحوراً : قال مقيتاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد مَذْءومًا قال : منفياً مَّدْحُورًا قال : مطروداً.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية