ثم بين ما يعدهم به فقال : لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف [ الأعراف : آية ١٢٤ ] الأيدي : جمع يد، ووزنه ( أفعل ) والأرجل كذلك وزنه ( أفعل ) ومعلوم أن ( أفعل ) من جموع القلة، إلا أن المقرر في الأصول وفي علوم العربية : أن جموع القلة لا تكون جموع قلة إلا إذا كانت منكرة خاصة، أما إذا أضيفت إلى معارف فهي صيغة عموم، وهي إذا من جموع الكثرة.
ومعنى قوله : من خلاف أي : من جهتين مختلفتين بأن يقطع اليد اليمنى من شق فيضعف ذلك الشق باليد [ ويقطع ] ( في الأصل :( ويضعف ). وهو سبق لسان ) الرجل اليسرى من الشق الآخر فيكون كل من الشقين قد ضعف.
ثم لأصلبنكم أجمعين لم يبين هنا في الأعراف ولا في الشعراء ما ذا الذي يصلبهم عليه، وقد بين في سورة طه أنه يصلبهم في جذوع النخل كما قال : ولأصبناكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى [ طه : آية ٧ ] وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر خلقه الله –جل وعلا- وأصعب على المصلوب الصلب عليه. وعلماء البلاغة يقولون : إن قوله : ولأصلبنكم في جذوع النخل [ طه : آية ٧١ ] فيه ما يسمونه ( استعارة تبعية ) في معنى متعلق الحرف. والأظهر أنه أسلوب عربي معروف، فالعرب تقول : صلبه على الجذع، وصلبه فيه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومن قولهم :( صلبه في الجذع ) قول الشاعر :
| هموا صلبوا العبدي في جذع النخلة | فلا عطست شيبان إلا بأجدعا |
وهذا يدل على أن أولياء الله يمتحنون دائما في الله، فخير ما تكون به المحنة : المحنة في الله، فعلى المسلم إذا ابتلى في دينه وامتحن في الله ان يصبر ويصمد، ويعرف أن هؤلاء السحرة وعدوا بقطع أيديهم وأرجلهم، والصلب على جذوع النخل، ومع هذا هم صامدون صابرون لا يلتفتون إلى فرعون، بل يقولون له : فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا [ طه : آية ٧٢ ] فالله قص علينا خبر هؤلاء لنعتبر بهم كما قال : لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب [ يوسف : آية ١١١ ] فإذا جاءتنا أذية وبلايا في ديننا فعلينا أن نصبر على المحن بالغة ما بلغت، ولا نتلاشى ولا نضعف، ولا نضيع ديننا ؛ لأن خير ما يبلى الإنسان فيه ويصمد ويصبر هو دينه.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير