ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

ثم بينوا لفرعون أنه ظالم لهم وليس لهم ذنب يعيبهم به ولا يعذبهم لأجله، قالوا : وما تنقم منا العرب تقول :( ما تنقم مني ) ؟ معناه : ما تعيب وما تنتقد مني ؟ وأقوال علماء التفسير متقاربة، كلها راجعة إلى شيء واحد، فبعضهم يقول : وما تنقم منا ما تعيب منا، ما تمكر منا، ما تكره منا ؟ ونحو ذلك، فهي أقوال معروفة، والعرب تقول : نقم علي نقم علي فلان كذا ونقمه. أي انتقده وأنكره علي وكرهه مني، فكأنهم يقولون لفرعون : ما تعيب وتكرهه منا وتنكره حتى تجعله سببا لتعذيبنا إلا أعظم الأشياء وأحسنها وأشدها استجلابا للمودة والمحبة، فهو الإيمان بالله أي : إلا أن آمنا بآيات ربنا يعني : ما تعيب علينا شيئا ولا تكره منا شيئا فعلناه إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا [ الأعراف : آية ١٢٦ ] واضحة لا لبس فيها. وهذا معنى قوله : إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا .
ولما بينوا لفرعون أنهم ما فعلوا شيئا يستوجبون عليه تعذيبا سألوا الله أن يرزقهم الصبر على العذاب الدنيوي، وأن يميتهم وهم على إسلامهم، سألوه سؤالين عظيمين :
أحدهما : أن يعطيهم الصبر ويعينهم عليه.
والثاني : أنه يثبتهم على إيمانهم وإسلامهم حتى يموتوا ويلقوه مسلمين ؛ ولذا قال الله عنهم : قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا الإفراغ في لغة العرب التي نزل بها القرآن : الصب الشديد الذي يترك الإناء فارغا لا شيء فيه أفرغ علينا معناه : اصبب علينا صبرا من عندك. ونكر الصبر هنا للإشعار بالتعظيم. أي : صبرا عظيما جميلا عظيما نواجه به تعذيب هذا الجبار وتوفنا أمتنا، مسلمين أي : ونحن على إسلامنا لا تزغ قلوبنا ولا تشقنا وتوفنا مسلمين .
وهذه الآية الكريمة نظائرها كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، وأسلوبها الذي جاء بها هو الذي يقول له البلاغيون :( تأكيد المدح بما يشبه الذم ) ونظيرها في القرآن قوله : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله [ التوبة : آية ٧٤ ] وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ٨ [ البروج : آية ٨ ] وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :

ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يضربون فيغلبون
وهو كثير في كلام العرب، كقوله : أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [ الحج : آية ٤٠ ] ومنه قول نابغة ذبيان :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفيهم بهن فلول من قراع الكتائب
وهذا معنى قوله : إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا [ الأعراف : آية ١٢٦ ] اصبب علينا صبرا عظيما نواجه به نكال هذا الجبار.
والصبر في لغة العرب التي نزل بها القرآن : هو حبس النفس عن المكروه، تقول : صبرت نفسي. ومنه قوله تعالى : واصبر نفسك [ الكهف : آية ٢٨ ] وقول عنزة العبسي :
فصبرت عارفة بذلك حرة ترسوا إذا نفس الجبان تطلع
كما هو معروف.
والصبر في اصطلاح الشرع خصلة عظيمة يندرج فيها جميع خصال الإسلام ؛ ولذا قال الله : إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : آية ١٠ ] ومن سادات الصابرين : الصائمون ؛ لأنهم صبروا لله عن شهوات بطونهم وفروجهم طاعة لربهم.
والصبر في اصطلاح الشرع يستلزم الصبر عن جميع المعاصي ولو اشتعلت نار الشهوات، والصبر على الطاعات وإن كان كالقابض على الجمر، والصبر على البلايا عند الصدمة الأولى كما طلبه هؤلاء، لأنهم في بلية ومحنة كبرى يطلبون الصبر عليها، ويدخل فيه الصبر على الموت تحت ظلال السيوف عند التقاء الصفين.
وقوله : مسلمين [ الأعراف : آية ١٢٦ ] قدمنا مرارا معنى الإسلام والإيمان، وأن الإسلام في لغة العرب معناه : الإذعان والانقياد، فكل مذعن منقاد فهو مسلم. وأسلم له إذا أذعن وانقاد، وهو معروف في كلامهم، ومنه قول زيد بن نفيل مؤمن الجاهلية :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت شدها جميعا وأرسي عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا عي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا
فقوله : أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض، وأسلمت له الصخر.
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالا فحالا
معناه : أذعنت واتقدت لمن أذعن له الريح والمزن والحجارة. هذا أصل معنى الإسلام في لغة العرب.
وهو في اصطلاح الشرع : الإذعان والانقياد التام من جهاته الثلاث، أعني : انقياد القلب بالاعتقاد والنيات، وإذعان اللسان بالإقرار، وإذعان الجوارح بالعمل. أي : توفنا منقادين لك ولطاعتك بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا حتى نلقاك وأنت راض عنا. وهذا معنى قوله : أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين [ الأعراف : آية ١٢٦ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير