ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

[ وقوله تعالى : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ] ( في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) هم بنو إسرائيل بإجماع العلماء، وكونهم كانوا يستضعفون [ الأعراف : آية ١٣٧ ] كان فرعون يستضعفهم ويأخذهم أخذ الضعيف الذي لا حيلة له فيقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويستخدمهم في الأعمال الشاقة، إلى غير ذلك من الإهانات، كما يأتي في قوله : يسومونكم سوء العذاب [ الأعراف : آية ١٤١ ].
فقوله : مشارق الأرض ومغاربها [ الأعراف : آية ١٣٧ ] جماهير العلماء على أن مشارق الأرض هو المفعول الثاني ل( أورثنا )، وأورثنا المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها. أي : جعلناها آيلة إليهم بعد أن أهلكنا الكفار الذين كانوا فيها، وهذا هو التحقيق خلافا لما نقل عن الكسائي والفراء من أنه منصوب بنزع الخافض، وأن المعنى : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها. وعلى هذا القول فمفعول الإيراث محذوف. ولا يخفى ان هذا القول غير صواب، وإن نقل عن الكسائي والفراء وغيرهم، وأن التحقيق أن الإيراث واقع على بني إسرائيل، وأن قوله : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض أن ( أورثنا ) تطلب مفعولين، المفعول الأول : هو قوله الذين والمفعول الثاني : هو قوله : مشارق الأرض أي : أورثناهم مشارق الأرض كما جاء موضحا في آيات أخر، كقوله : كذلك وأورثناها قوما آخرين ٢٨ [ الدخان : آية ٢٨ ] كذلك وأورثناها بني إسرائيل ٥٩ [ الشعراء : آية ٥٩ ] ونحو ذلك من الآيات.
ومعنى : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها قال أكثر المفسرين : مشارق الأرض : الشام، مغاربها : مصر. وأن الله أهلك فرعون وقومه وأورث بني إسرائيل أرضهم كما صرح بذلك في قوله : كذلك وأورثناها قوما آخرين ٤٨ [ الدخان : آية ٤٨ ] وقوله : كذلك وأورثناها بني إسرائيل ٥٩ [ الشعراء : آية ٥٩ ] وهي ما تركوا من جنات وعيون، وزروع، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وان مشارق الأرض : هي الشام، أورثهم الله إياها بعد أن أهلك الجبارين الكنعانيين وأبادهم. هذا يقوله أكثر العلماء، ويزعمون أن في التوراة : أن هذه المشارق والمغارب من الفرات، وأنها من الفرات إلى المحل الذي خرجوا من البحر منه [ وطلبهم ] ( في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) منه فرعون ! !
وبعض العلماء يقول : مشارق الأرض ومغاربها : الشام فقط ؛ لأنه أورثهم أرضه من مشارقها ومغاربها، أي : ما يلي المشرق منها وما يلي المغرب.
واعلموا أن الآيات القرآنية دلت دلالة واضحة على أن الله أورث بني إسرائيل ما كان عند فرعون وقومه من الجنات والعيون، والزروع والكنوز، والمقام الكريم، هذا جاء في آيات متعددة، جاء موضحا في سورة الشعراء، وفي سورة الدخان، وأشير له هنا في الأعراف.
وبعض العلماء يقول : في إيراثهم ديار مصر وأمواله، وديار قومه وأموالهم، فيه إشكال ؛ لأنه لم يعلم في التاريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد أن أنجاهم الله من عذاب فرعون وفلق لهم البحر –والله تعالى أعلم- ولأجل ذلك قال بعض العلماء : أراضي الشام، ومشارقها : ما يلي جهة المشرق من أرض الشام من أطرافها، وما يلي جهة المغرب. هذا أقوال العلماء في الآية.
وقوله التي باركنا فيها أي : أكثرنا فيها البركات من كثرة المياه والزروع والثمار ونحو ذلك من بركات الأرض وخيراتها. وهذا معنى قوله : مشارق الأرض ومغاربها التي بركنا فيها .
وتمت كلمت ربك الحسنى [ الأعراف : آية ١٣٧ ] جماهير العلماء على أن المراد بهذه الكلمة التي صرح الله بأنها تمت على الإسرائيليين أنها هي قوله تعالى : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ٥ ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ٦ [ القصص : الآيتان ٥، ٦ ] ومعنى تمام الكلمة : أنها أولا كانت وعدا، فلما أنجز هذا الوعد فقد تم ذلك بإنجازه كما لا يخفي. وهذا معنى قوله : وتمت كلمت ربك الحسنى الحسنى : تأنيث الأحسن، والأحسن : الذي يفوق غيره في الحسن ويفضله.
وقوله : على بني إسرائيل تمت عليهم : أي : مضت عليهم وكملت عليهم بإنجازها لما كانت وعدا.
وقوله : بما صبروا الباء سببية، و( ما ) مصدرية، أي : بسبب صبرهم. وذلك يدل على أن الصبر سبب للفرج كما هو معروف، وكما قال تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقرة : آية ٤٥ ] وهذا معنى قوله : بما صبروا .
وقوله : ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه التدمير : الإهلاك التام. والمعنى : دمرنا وأهلكنا ما كان يصنعه فرعون وقومه من القصور التي كان يبنيها، والبنايات التي كان يضعها في الأرض دمرها الله، وهدمها وأهلكها.
وقوله : وما كانوا يعرشون قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير ابن عامر وشعبة عن عاصم : وما كانوا يعرشون بكسر الراء مضارع عرشه يعرشه. وقرأ من السبعة : ابن عامر وشعبة عن عاصم : وما كانوا يعرشون وهما لغتان وقراءتان صحيحتان، ( يعرشون ) بضم الراء لغة بني تميم.
ومعنى : يعرشون فيه وجهان للعلماء : قال بعض العلماء : يعرشون أي : لجنات الكرم وهو العنب يجعلون لها العريش لتمتد عليه، كما تقدم في قوله : جنات معروشات وغير معروشات [ الأنعام : آية ١٤١ ].
وقال بعضهم : عرشه إذا رفع بناءه، والعرش أصله السقف، وعروش الأبنية : سقوفها. يعني : ودمرنا ما كانوا يرفعونه من البناء كصرح هامان المشهور، ونحو ذلك وهذا معنى قوله : ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [ الأعراف : آية ١٣٧ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير