و " الْيَمُّ ": البحر.
ومعنى وَكَانُواْ عن آياتنا غَافِلِينَ، أي: لا يعتبرون صحتها، ويعرضون عنها.
قوله: وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ [مَشَارِقَ الأرض]، الآية.
قوله: مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا، مفعول " بأورث ".
وقال الفراء، والكسائي: هو ظرف. وتقدير الكلام عندهم:
وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ في مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا، في مشارق الارض ومغاربها. ف (التي): مفعول ل: (أوْرَثْنَا).
والمعنى: أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فعرون يستخدمهم استضعافاً لهم، مَشَارِقَ الأرض، أي: أرض الشام، في قول الحسن، وهو ما يلي المشرق، وَمَغَارِبَهَا ما يلي المغرب، التي بَارَكْنَا فِيهَا، أي: التي جعلنا الخير فيها ثابتاً دائماً.
وقال الليث: الأرض، هنا أرض مصر، وإِنَّ مصر هي التي بارك الله فيها.
قال الليث: مصر مباركة في كتاب الله، جل ذكره، لقوله تعالى: التي بَارَكْنَا فِيهَا، قال: هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم: مَصَرَ الشَّاةَ
يَمْصُرُهَا مَصْراً: إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت: مِصْراً لاجتماع الخير فيها.
وروي عن ابن عمر أنه قال. نيل مصرَ سَيّدُ الأنهار، وسخر الله، تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَه له، فِإذا أراد الله، جل ذكره، أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأنهار عيوناً، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى الله، تعالى، إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
وقال ابن عمر، وغيره في قوله، تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: ٢٥ - ٢٦]، قال: كانت الجنات بِحَافَتَيْ هذا النِّيل، من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً، ما بين: " أَسْوَان إلى: رَشِيد، وكان له سبعة خُلُج: خليج الإسكندرية، وخليج دِمْيَاط، وخليج سَرْدُوس، وخليج مَنْف، وخليج الفَيُّوم، وخليج المَنْهَى. وقيل: السابع، خليج سَخَا، كانت متصلة لا ينقطع
صفحة رقم 2524
منها شيء عن شيء.
وقوله: وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، يعني المنابر. كان بها ألف منبر.
وقوله: وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا، قل الطبري: لا يجوز أن تكون: مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا نصباً على الظرف؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم (أحداً) يؤمئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائر أن يقال: يُسْتَضْعَفُونَ في مشارق الأرض وفي مغاربها.
وقد غَلِطَ الطبري على الفراء؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف: يُسْتَضْعَفُونَ، إنما
جعله ظرفاً مقدماً للأرض التي بورك فيها.
فتقدير الكلام: وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ الأرض التي باكرنا (فيها) في مشارق/ الأرض ومغاربها. وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب بـ: وَأَوْرَثْنَا على أنه مفعول به أحسن.
وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ.
أي: تَممَّ الله ( تعالى) لهم ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم على فرعون عدوهم، بِصَبْرِهم على عذاب فرعون لهم.
وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته بمثله؛ لأن البلاء إذا قوبل بمثله وُكِلَ فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من الله، جل ذكره، أتاهم الله، ( تعالى)، بالفرج الذي أملوه واننتظروه من الله، (سبحانه).
وقال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون.
و" الكلمة " هنا: قول موسى: عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض [الأعراف: ١٢٩].
وقيل: هو قوله: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص: ٥]، إلى يَحْذَرُونَ [القصص: ٦].
وقوله: وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ. أي: أهلكنا ما عَمَّروْا وَزَرَعُوا.
وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ. أي: (وأهلكنا) ما كانوا يبنون، أي: خَرَّبنا ذلك.
والضم والكسر في " راء ": يَعْرِشُونَ، لغتان.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي