إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ١٥٢ إن الذين اتخذوا العجل إلها فعبدوه من دون الله سينالهم غضب من ربهم الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، فنحن نصفه بها كما وصف بها نفسه، وننزه خالقنا أتم التنزيه وأكمله عن مشابهة صفات المخلوقين ؛ لأن جميع الصفات من باب واحد، فكما أنه ( جل وعلا ) ذات لا تشبهها شيء من الذوات فكذلك لها صفات لا يشبهها شيء من صفات خلقه، أي : إن الذين اتخذوا العجل إلها فعبدوه من دون الله سينالهم غضب هذا الغضب كائن من ربهم معناه : يغضب الله عليهم، ومن غضب الله عليه فقد هلك.
وذلة في الحياة الدنيا الذلة : الصغار والهوان.
قال جماعة من العلماء : هذه الآية من سورة الأعراف في طائفة من بني إسرائيل أشربت قلبوهم حب العجل، ولم يتوبوا فيمن تاب، بل بقوا غير تائبين، وعدهم الله هذا الوعيد، وهددهم هذا التهديد، وهذا هو الأظهر ؛ لأن المعروف أن أكثر الإسرائيليين تاب من عبادة العجل تلك التوبة العظيمة التي بيناها مفصلة في سورة البقرة، حيث قدموا أنفسهم للقتل تائبين إلى الله، الواحد منهم يجود بنفسه فيقتل مرضاة لله وإنابة إليه، كما تقدم إيضاحه في قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم [ البقرة : آية ٥ ] فمن تاب هذه التوبة النصوح العظيمة لا يعقل أن الله يهدده هذا التهديد، ويتوعده هذا الوعيد ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيظهر هنا ما ذكره جماعة أنها في طائفة أشربت قلوبهم حب العجل ولم يتوبوا – والعياذ بالله- ووعدهم الله هذا الوعيد : سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك الجزاء الذي جزينا به هؤلاء الذين عبدوا العجل : نجزي المفترين كان العلماء يقولون كل من افترى في الدين وابتدع في الدين سلط الله عليه الذلة، وكان الحسن يقول في المبتدعين المفترين في دين الله : والله إن الذلة على أكتافهم ولو هملجت بهم البغلاة، وطقطقت بهم البراذين. وقال هذا غير واحد من العلماء، أن كل مبتدع في الدين مفتر فيه آت بنحلة ليست بحق لا بد أن يسلط الله عليه الذلة ولو بلغ ما بلغ، كما صرح بذلك في قوله : وكذلك نجزي المفترين فعلى المسلم أن يخاف من الذلة والغضب، ولا يفتري في دين الله، ولا ينتحل ولا يبتدع، بل يبقى على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا معنى قوله : وكذلك نجزي المفترين .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير