ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

ويقول الحق بعد ذلك : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( ١٥٢ ) .
حين يقال : اتخذوا العجل قد نجد من يتساءل : هل اتخذوه مذبوحا يأكلونا ؟ أو يثير الأرض أو يسقي الحرث ويدير السواقي ؟ لأن العجل موجود لهذه المهام، لكنهم لم يأخذوا العجل لتلك المهام، بل إنهم قد اتخذوا العجل إلها ومعبودا، أما اتخاذه فيما خُلِق له فلا غبار عليه، وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع ؛ فإذا اتخذنا العجل فيما خُلِق له العجل لا ينالنا غضب من الله، أما الذين سينالهم غضب الله فهم من اتخذوا العجل في غير ما خُلق له، إنهم اتخذوه إلها : سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .
وقوله : سَيَنَالُهُمْ يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد، وسيحدث في المستقبل، ومستقبل الدنيا هو الآخرة، ولكن الحق هنا يقول : إن الذلة ستحدث في الدنيا، فكيف يكون سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مع أنهم تابوا ؟ ويوضح سبحانه لنا ذلك في قوله : فتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فاقْتُلُوا أنْفُسكُمْ ذلِكُمْ خيْرٌ لكُمْ عِنْد بارِئِكُمْ فتاب عليْكُمْ .
فبعضهم تاب إلى بارئه وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب ؟ ويوضح الحق لنا أن الذي نالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم : " اقتلوا أنفسكم "، وهكذا نفهم أن قوله تعالى : سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ أي قبل أن يتوبوا، وقتل النفس هو منتهى اللذة ومنتهى الإهانة.
سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( من الآية ١٥٢ سورة الأعراف ) : أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم، فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لابد أن يناله هذا الجزاء ؛ لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم ؛ وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك سبحانه أن يعتبر السامع للقصة في نفسه. واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيها وتحذيرا : وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم، وهو سبحانه ينبه كلا منا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة فإن التاريخ مسرود لأخذ العبرة، والعظة ليتعظ بها السامع.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير