ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

الإنكار على عبدة العجل. إذ بلغ الأمر به أن (١) هموا بقتله لشدة إنكاره.
وقوله تعالى: وَلِأَخِي. إنما استغفر لأخيه لأنه ظنه مقصرًا في الإنكار على عبدة العجل، وإن لم يقع ذلك التقصير منه، [و] (٢) كأنه يقول: اغفر لأخي إن قصر في الإنكار، كذلك (٣) قال أهل المعاني (٤) في استغفار موسى لأخيه هاهنا.
وقوله تعالى: وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ. قال عطاء عن ابن عباس (٥): (يريد: في سعة جنتك).
وقوله تعالى: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. إخبار عن موسى أن الله تعالى بهذه الصفة، وهو يدل على قوة طمع الداعي في نجاح طلبته لأن من هو أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يُؤمل منه الرحمة.
١٥٢ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الآية، قد ذكرنا (٦) في مواضع أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف على تقدير: اتخذوا العجل إلهًا (٧) ومعبودًا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى [طه: ٨٨]، وللمفسرين، وأهل المعاني، في هذه الآية طريقان:

(١) في (أ): (إذا بلغ الأمر به لاهموا) وهو تحريف.
(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٣) في (ب): (لذلك)، وهو تحريف.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٦٩، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٣، والسمرقندي ١/ ٥٧١.
(٥) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٩: (قال: في جنتك)، وذكر الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤٦ عن عطاء قال: (أي: في جنتك) اهـ.
(٦) انظر: "البسيط" البقرة: ٥١.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٧٠، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٩، والنحاس ٣/ ٨٤.

صفحة رقم 377

أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل: الذين باشروا عبادة العجل.
وقوله تعالى: سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: في الدنيا) (١)، يعني: أولئك تيب (٢) عليهم بقتلهم أنفسهم فلا يلحقهم الغضب في الآخرة، وتفسير هذا الغضب في الدنيا قاله أبو العالية؛ قال: (هو ما أمروا به من قتلهم أنفسهم) (٣).
وقوله تعالى: وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. قال الزجاج: (الذلة لحقتهم بأنهم رأوا أنهم قد ضلوا فذلوا) (٤). وعلى هذا معنى قوله: سَيَنَالُهُمْ -وقد نالهم الغضب و [الذلة] (٥)، وهذه السين للاستقبال- هو أن هذه الآية إخبار (٦) عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، أخبره أيضًا أن أولئك سينالهم غضب وذلة، ويُحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قيل: وقلنا لموسى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الآية، والقول كثيراً ما يُضمر في الكلام.
الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ -، وهذا مذهب ابن عباس وعطية العوفي، قال ابن عباس: (هم الذين أدركوا النبي وآباؤهم الذين عبدوا العجل) (٧). وقال في قوله (٨):

(١) لم أقف عليه.
(٢) في (ب): (تبت).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٩، وفيه: (والذلة ما أمروا به من قتل أنفسهم).
(٥) لفظ: (الذلة) ساقط من (أ).
(٦) في (ب): (هو أن هذه الأخبار) وهو تحريف.
(٧) ذكره الخازن ٢/ ٢٩٢.
(٨) في (ب): (في قولهم) وهو تحريف.

صفحة رقم 378

سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ: (عذاب في الآخرة)، وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قال: (وهي الجزية) (١).
وقال العوفي: (أراد سينال أولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - غضب وذلة)، قال: (وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء) (٢).
وعلى هذا الطريق تحمل الآية على وجهين:
أحدهما: أن العرب تُعيّر الأبناء بمعاير الآباء وتنسبها إليهم، كما تفعل ذلك في المناقب، وهو كثير في أشعارهم يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آباءهم، كذلك هاهنا الله تعالى وصف [هؤلاء] (٣) اليهود الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - باتخاذ العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك تعييرًا لهم كعادة (٤) العرب.
الوجه الثاني: أن الآية من باب حذف المضاف على ما ذكره عطية العوفي، والمعنى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الذين باشروا ذلك سَيَنَالُهُمْ (٥) أي: سينال أولادهم ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه (٦).

(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٥، الخازن ٢/ ٢٩٢.
(٢) ذكره الثعلبي ١٩٨ أ، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤٨، والبغوي ٣/ ٢٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٦، الخازن ٢/ ٢٩٢.
(٣) لفظ: (هؤلاء) سقط من (ب).
(٤) في (ب): (لعادة).
(٥) لفظ: (سينالهم) سقط من (أ).
(٦) والقول الأول أظهر وهو أن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا لا لمن بعدهم =

صفحة رقم 379

وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ. قال ابن عباس: (يريد: كذلك أعاقب من اتخذ إلهًا من دوني أو تولى غيري) (١). وقال أهل المعاني: (كل مفترٍ في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، يؤكد هذا ما روي عن مالك بن أنس (٢) [رحمه الله] (٣) أنه قال: (ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية) (٤)، والمبتدع مفتر في دين الله.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا، قال ابن عباس (٥): (يريد: الشرك، مثل قوله في النساء: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [النساء: ١٨]، ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا (٦) أي: رجعوا عنها وتركوها،

= من ذراريهم، وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٦٩ - ٧٠، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٩، و"تفسير ابن عطية" ٦/ ٩٠، والقرطبي ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢، وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ٨٤: (وهذا القول أصح لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريتهم) اهـ.
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٦.
(٢) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني من تابعي التابعين، إمام حافظ ثقة، ثبت فقيه محدث، إمام دار الهجرة واحد أئمة المذاهب المتبوعة، أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير توفي -رحمه الله- سنة ١٧٩ هـ، وله ٨٦ سنة انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" ٢/ ٧٥، و"سير أعلام النبلاء" ٨/ ٤٨، و"تذكرة الحفاظ" ١/ ٢٠٧، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٨
(٣) لفظ: (رحمه الله) ساقط من (ب).
(٤) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" ص ١٩٨، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٦٦، والرازي ١٥/ ١٣، والقرطبي ٧/ ٢٩٢، والخازن ٢/ ٢٩٣، وأخرج الطبري ٩/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧١، من عدة طرق جيدة عن أبي قلابة وسفيان بن عيينة نحوه.
(٥) لفظ: (ثُمَّ تَابُوا) ساقط من (أ).
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٩، وذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤٨.

صفحة رقم 380

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية