ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

السلام، ثم استغفاره لنفسه وله.. قفى على ذلك بذكر ما استحقه القوم من الجزاء على اتخاذ العجل، وهو مما أوحاه الله تعالى إلى موسى يومئذ.
قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حال القوم، وقسمهم إلى قسمين: مصرّ على الذنب وعبادة العجل، وتائب منيب إلى ربه، وبين مآل كل من القسمين.. ذكر هنا بيان حال موسى بعد أن سكنت ثورة غضبه وهدأ روعه.
قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر كتابته للرحمة لمن يتبع محمدا صلى الله عليه وسلّم من قوم موسى، ووصفهم بأنّهم هم المفلحون.. ذكر هنا حال خواص أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا متبعين له حق الإتباع، وعطفهم على المهتدين باتباع خاتم النبيين صلى الله عليه وسلّم.
التفسير وأوجه القراءة
١٥٢ - إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها؛ أي: عبدوا العجل واستمروا على عبادته، كالسامري وأشياعه سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ؛ أي: سيصيبهم غضب وسخط وعقوبة كائنة من ربهم في الحياة الدنيا، وهو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة وَذِلَّةٌ؛ أي: ذل وهوان ومسكنة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا منتظرة لهم ولأولادهم جميعا إلى يوم القيامة، والذلة (١) التي اختص بها السامري هو الإنفراد عن الناس، والابتلاء بلا مساس، ويروى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك؛ أي: لا مساس، وإذا مس أحدهم أحدا غيرهم.. حمّا جميعا في الوقت.
والمعنى (٢): أن الذين بقوا على اتخاذ العجل واستمروا عليه كالسامري وأشياعه، سيصيبهم غضب من ربهم في الحياة الدنيا، بأن لا يقبل توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم، وذلة عظيمة في الحياة الدنيا، وبالخروج من الديار والغربة عن

(١) المراح.
(٢) المراغي.

صفحة رقم 160

الوطن، وقال الواحدي (١): إن الذين اتخذوا العجل، يعني اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم، وهم أبناء الذين اتخذوا العجل إلها، فأضيف إليهم تعييرا لهم فعل آبائهم.. سينالهم غضب من ربهم؛ أي: عذاب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وهي الجزية.
قال في «الخازن»: ثم للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل، الذين باشروا عبادته، وعلى هذا القول ففي الآية سؤال وهو: أن أولئك الأقوام الذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم، كما أمرهم الله تعالى، فتاب عليهم، فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: أن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا، وهو نفس القتل، فكان ذلك القتل غضبا عليهم، والمراد بالذلة هو: إسلامهم أنفسهم للقتل، واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ.
فإن قلت: السين في قوله: سَيَنالُهُمْ للاستقبال، فكيف تكون للماضي؟
قلت: هذا الكلام إنّما هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنّه سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه، وهو القتل الذي أمرهم الله به بعد ذلك.
والقول الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم كما مر عن الواحدي آنفا. انتهى مع زيادة.
وَكَذلِكَ؛ أي: وكما جزينا هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها في الحياة الدنيا نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ؛ أي: نجزي كل من افترى على الله كذبا وعبد غيره في كل زمان، إذ فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء، قال (٢) الحسن البصري: إنّ ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت (٣) بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين،

(١) الواحدي.
(٢) المراغي.
(٣) هملجت الدّابة: سارت سيرا حسنا في سرعة.

صفحة رقم 161

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي

راجعه

هاشم محمد علي مهدي

الناشر دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
سنة النشر 1421
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية