قوله : فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي في هذه " الباء " وجهان :
أحدهما : أنَّهَا قسميَّةٌ وهو الظَّاهِرُ أي : بقدرتك عليَّ، ونفاذ سُلْطانِكَ فيَّ لأقْعَدَنَّ لهم على الطَّريق المُسْتَقِيم الذي يسلكونه إلى الجَنَّةِ بأن أزيِّنَ لهم الباطِل، وما يُكْسِبُهُمْ المآثِمَ.
ويدل على أنها باء القسم قوله تعالى في سورة " ص " : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ [ الآية : ٨٢ ].
والثاني : أنَّها سببيَّةٌ، وبه بدأ الزَّمَخْشَرِيُّ١ قال : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي فبسبب إغوائِكَ إيَّايَ ؛ لأقعدن لهم، ثم قال :" والمعنى فَبِسَبَبِ وُقُوعِي في الغَيِّ لأجْتَهِدَنَّ في إغوائهم حتَّى يَفْسُدُوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم ".
فإنْ قُلْتَ : بِمَ تعلَّقَتِ " البَاءُ " ؛ فإنَّ تعلقها ب " لأقْعَدُنّ " يصدُّ عنه لام القسم لا تقولُ : واللَّه بزيدٍ لأمرنّ ؟
قُلْتُ : تعلَّقتْ بفعل القَسَمِ المَحْذُوف تقديره، فبما أغْوَيْتَني أقْسِمُ باللَّهِ لأقعدنّ [ أي ] : فبسبب إغوائك أقسم.
ويجُوزُ أن يكون " البَاءُ " للقسم أي : فأقْسِمُ بإغْوَائِكَ لأقْعُدَنَّ.
قال شهابُ الدِّين٢. وهذان الوَجْهَانِ سبقه إليهما أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبَارِيِّ، وذكر عبارةً قريبةً من هذه العِبارَةِ.
وقال أبو حيان٣ :" وما ذكره من أنَّ اللاَّمَ تصدُّ عن تعلُّقِ البَاءِ ب " لأقْعُدَنَّ " ليس حكماً مجتمعاً عليه، بل في ذلك خِلافٌ ".
قال شهابُ الدِّين٤ : أما الخلافُ فنعم، لكنَّهُ خلافٌ ضعيفٌ لا يعتد به أبُو القَاسِمُ، والشَّيْخُ نَفْسُهُ قد قال عند قوله تعالى : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ [ الأعراف : ١٨ ] في قراءة من كَسَرَ اللاَّم في " لِمَنْ " : إنَّ ذلك لا يجيزه الجمهورُ، وسيأتي مبينّاً إن شاء اللَّهُ تعالى.
و " مَا " تَحْتَمِلُ ثلاثةَ أوْجُهٍ :
أظهرها : أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ أي : فَبِإغوائِكَ إيَايَ.
والثاني : أنَّها استفهاميَّةٌ يعني أنَّهُ اسْتَفْهَمَ عن السَّبب الذي أغواهُ به فقال : فبأيِّ شيءٍ من الأشْيَاءِ أغْوَيْتَنِي ؟ ثم استأنَفَ جُمْلَةً أقْسَمَ فيها بقوله :" لأقْعُدَنَّ " وهذا ضعيفٌ عند بعضهم، أو ضرورةً عند آخرينَ من حيثُ أنَّ " مَا " الاستفهاميَّة إذا جُرَّت حُذِفَتْ ألفُهَا، ولا تثبت إلاَّ في شذوذ كقولهم : عمَّا تَسْألُ ؟ أو ضَرُورَةً كقوله :[ الوافر ]
عَلَى مَا قَامَ يَشْتمُنِي لَئِيمٌ *** كَخِنْزير تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ٥
والثالث : أنَّها شرطيةٌ، وهو قول ابن الأنْبَارِيِّ، ونَصُّهُ قال - رحمه الله - : ويجوز أن يكون " مَا " بتأويل الشَّرْطِ، و " الباء " من صلة الإغواء، والفاءُ المضْمَرةُ جوابُ الشَّرْطِ، والتقديرُ : فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطَكَ ؛ فتُضْمَرُ الفاءُ [ في ] جواب الشَّرْطِ كما تُضْمِرُهَا في قولك :" إلَى مَا أوْمَأتَ أنِّي قَابِلُهُ، وبما أمرت أني سامعٌ مطيعٌ ". وهذا الذي قاله ضعيف جدّاً، فإنَّهُ على تقدير صحَّةِ معناهُ يمتنعُ من حيث الصناعةُ، فإن فاء الجزاء لا تُحذف إلاَّ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كقوله :[ البسيط ]
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا *** والشَّرُّ بالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ٦
أيْ : فالله. وكان المبرد لا يُجَوَّز ذلك ضرورة أيضاً، وينشد البيت المذكور :[ البسيط ]
مَنْ يَفْعَل الخَيْرَ فالرَّحْمَنُ يَشْكُرُهُ ***. . . ٧
فعلى قول٨ أبي بكر يكونُ قوله :" لأقْعدنَّ " جواب قسم محذوف، وذلك القسَمُ المقدَّرُ، وجوابه جوابُ الشَّرْطِ، فيقدَّرُ دخول الفَاءِ على نفس جُمْلَةِ القَسَمِ مع جوابها تقديرُهُ : فبما أغْوَيْتَنِي فواللَّهِ لأقْعُدَنَّ. هذا يتمم مذهبه.
والإغواء٩ إيقاع الغَيِّ في القَلْبِ أي : بما أوْقَعْتَ في قلبي من الغَيِّ والعِنَادِ والاستكبار وقد تقدَّمَ في البَقَرَة.
قوله :" صِرَاطكَ " في نَصْبِهِ ثلاثة أوْجُهٍ :
أحدها : أنَّهُ منصوبٌ على إسْقَاطِ الخَافِضِ.
قال الزَّجَّاج١٠ : ولا اختلاف بين النَّحءويين أنَّ " على " محذوفة كقولك :" ضَرَبَ زيد الظَّهْرَ والبطنَ، أي : على الظَّهْرِ والبَطْن ".
إلا أن هذا الذي قاله الزَّجَّاجُ - وإن كان ظاهِرُهُ الإجماع - ضعيف من حيث إنَّ حَرْفَ الجرِّ لا يطَّردُ حَذْفَهُ، بل هو مخصوص بالضَّرُورَةِ أو الشُّذوذِ١١ ؛ كقوله :[ الوافر ]
مُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا ***. . . ١٢
[ وقوله ] :[ الطويل ]
. . . *** لَوْلاَ الأسَى لقَضَانِي١٣
[ وقوله ] :[ الطويل ]
فَبَتُّ كَأنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَنِي ***. . . ١٤
والثاني : أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرفِ، والتَّقديرُ : لأقْعُدَنَّ لهم في صِرَاطِكَ.
وهذا أيضاً ضعيف ؛ لأنَّ " صِرَاطكَ " ظرف مكان مُخْتَصّ، والظَّرْفُ المكانيُّ المختصُّ، لا يصل إليه الفِعْلُ بنفسه، بل ب " في " تقول : صلَّيْتُ في المسجد، ونمت في السُّوقِ. ولا تقول : صليتُ المَسْجِدَ إلا فيما استثني في كُتُبِ النحوِ، وإنْ وَرَدَ غير ذلك، كان شاذّاً ؛ كقولهم " رَجَعَ أدْرَاجَهُ " و " ذَهَبْتُ " مع " الشَّام " خاصَّة أو ضرورةً ؛ كقوله :[ الطويل ]
جزَى اللَّهُ بالخَيْرَاتِ مَا فَعَلا بِكُمْ *** رفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أمِّ مَعْبَدِ١٥
أي : قالا في في خَيْمتَي، وجعلُوا نظير الآيةِ في نَصْبِ المكان المختصِّ قول الآخر :[ الكامل ]
دْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنَهُ *** فيهِ كَمَا عَسَل الطَّريقَ الثَّعْلَبُ١٦
وهطا البيتُ أنْشَدَهُ النُّحَاةُ على أنَّهُ ضَرُورةٌ، وقد شذَّ ابن الطَّرَاوَةِ عن مذهب النُّحَاةِ فجعل " الصِّراط " و " الطَّريقَ " في هذين الموضعين مكانين مُبْهَمَيْن. وهذا قولٌ مردودٌ ؛ لأن المُخْتَصَّ من الأمكنة ما له أقطار تحويه، وحدود تحصره، والصِّراطُ والطَّريقُ من هذا القبيل.
الثالث : أنَّهُ منصوبٌ على المفعول به ؛ لأن الفِعْلَ قبله - وإنْ كان قاصراً - فقد ضُمِّن معنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ. والتقديرُ : لألزمن صراطك المستقيمَ بقُعُودي عليه.
فصل في معنى إغواء إبليس
قول إبليس " فَبِما أغْوَيْتَنِي " يدلُّ على أنَّهُ أضَافَ إغواءه إلى اللَّه - تعالى -، وقوله في آية أخرى : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : ٨٢ ] يدلُّ على أنَّهُ أضَافَ إغواء العباد إلى نفسه، فالأول دلَّ على مَذْهَب أهْلِ الجَبْر، والثَّانِي يدلُّ على مذهب [ أهل ]١٧ القدر، وهذا يدلُّ على أنه كان متحيراً في هذه المسألةِ. وقد يقال : إنَّهُ كان معتقداً بأن الإغواءِ لا يَحْصُلُ إلاَّ بالمغوي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِياً لغيره من الغاوين ثمَّ زعم أنَّ المُغوي لهُ هو اللَّهُ - تعالى - قطعاً للتَّسلْسُل.
واختلفُوا في تَفْسير هذه الكَلِمَةِ، فقال أهْلُ السُّنَةِ : الإغواءُ إيقاع الغيِّ في القَلْبِ، والغيُّ هو الاعتقادُ البَاطِلُ، وذلك يدلُّ على أنَّهُ كان يعتقدُ أنَّ الحقَّ والباطل أنَّمَا يقعُ في القَلْبِ من اللَّهِ.
وأمَّا المعتزلةُ فلهم ههنا مقاماتٌ١٨.
أحدها : أن يفسِّرُوا الغَيَّ بما ذكرناه، ويعتذروا عنه بوجوه.
منها : أن قالوا : هذا قول إبْليسَ، فهب١٩ أنَّ إبليس اعتقد أنَّ خَالِقَ الغيِّ، والجهلِ، والكفرِ هو الله، إلاَّ أنَّ قول إبليس ليس بحجَّةٍ.
ومنها قالوا : إنَّه تعالى لمَّا أمره بالسُّجُود لآدَمَ ؛ فعند ذلك ظهر غيه وكفره، فجاز أن يضيف ذلك إلى الله - تعالى - لهذا المعنى، وقد يَقُولُ القائِلُ : لا تحملني على ضَرْبِكَ أي : لا تَفعلْ ما أضربك عِنْدَهُ.
ومنها : أن قوله ربِّ بِمَا أغْوَيْتَنِي أي : لعنتني، والمعنى أنَّكَ لمَّا لَعَنْتَنِي بسبب آدَمَ ؛ فأنَا لأجْلِ هذه العَداوَةِ ؛ ألقي الوساوسَ في قُلُوبهم.
المقام الثاني٢٠ : أنْ يفسِّرُوا الإغْواءَ بالهلاكِ، ومنه قوله تعالى : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً [ مريم : ٥٩ ] أي : هلاكاً وويلاً، ومنهُ أيضاً قولهم : غَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي غوىً ؛ إذَا أكثر من اللَّبَنِ حتى يفسدَ جوفه ويُشَارِفَ الهَلاكَ والعَطَبَ. وفسَّروا قوله تعالى : إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ [ هود : ٣٤ ] إن كان اللَّهُ يريدُ أنْ يهلككهم بعنادكم للحق. فهذا جميع الوجوه المذكورة٢١.
قال ابْنُ الخَطِيبِ٢٢ : ونحن لا نُبَالغُ في بيان أنَّ المراد من الإواء في هذه الآية الإضلالُ ؛ لأن حَاصِلَهُ يرجع إلى قول إبليس، وإنَّه ليس بحجة إلاَّ أنَّا نقيمُ البرهانُ اليقينيَّ على أنَّ المُغْوِي لإبليس هو اللَّهُ - تعالى - وذلك ؛ لأنَّ الغاوي لا بدَّ لهُ من مُغْوٍ، والمُغْوِي له إمَّا أن يكون نَفْسَهُ، أو مخلوقاً آخَرَ، أو اللَّهَ - تعالى - والأوَّلُ باطِلٌ ؛ لأن العاقلَ لا يختارُ الغوَايَة مع العِلْمِ بكونها غوَايَةٌ، والثَّاني أيضاً باطلٌ، وإلاّ لزم إما التَسَلْسُل وإمَّا الدَّوْرُ، والثَّالِثُ هو المقصود.
فصل في المراد من الإقعاد
المراد من قوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم أنَّهُ يُواظِبُ على الإفْسَادِ مواظبة لا يَفْتُرُ عنها، ولهذا المعنى ذكر القُعُود ؛ لأن من أراد المُبَالَغَة في تكميل أمر من الأمُور قعد حتى يصير فارغَ البالِ، فيمكنه إتمام المقصود. ومواظبته على الإفْسَادِ، هي مُواظَبَتُهُ على الوَسْوسَةِ بحيثُ لا يَفْترُ عنها٢٣.
قال المُفَسِّرُونَ : معنى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ أي : بالصَّدِّ عنه وتزيين البَاطِل ؛ حتَّى يهلكوا كما هَلَكَ، أو يضلوا كما ضَلَّ، أو يخيبوا كما خَابَ.
فإن قيل : هذه الآيَةُ دَلَّتْ على أنَّ إبليس كان عالماً بالدِّين الحقِّ ؛ لأنه قال لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم وصراطُهُ المُستقِيمُ هو دينه الحقُّ، ودَلَّتْ أيضاً على أن إبليس كان عالماً بأنَّ الذي هو عليه من الاعتقاد هو مَحْضٌ الغوايَةِ والضَّلال لأنه لو لم يكن كذلك لما قال : رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي [ الحجر : ٣٩ ]، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أنْ يرضى إبليسُ بذلك المَذْهَب مع علمه بكونه ضلالاً وغوايةً، وبكونه مضاداً للدِّين الحقِّ، ومنافياً للصِّراط المستقيم، فإنَّ المرءَ إنَّما يعتقدُ الاعتقادَ الفَاسِدَ إذا غلب على ظَنِّهِ كونه حَقّاً، فأمَّا من عَلِمَ أنَّهُ باطلٌ وضلالٌ وغوايةٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يختاره، ويرضى به، ويعتقدهُ.
فالجوابُ : أنَّ من النَّاسِ من قال : إنَّ كفر إبليسَ كفْرُ عَناد لا كُفْرَ جَهْلٍ، ومنهم من قال : كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ. وقوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي ، وقوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يريدُ به في زعم الخَصْمِ، وفي اعتقاده٢٤.
فصل في بيان هل على الله رعاية المصالح٢٥
احتجَّ أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّهُ لا يجب على اللَّه رعاية مصالح العبدِ في دينه، ولا في دنياه ؛ لأنَّ إبليس استمهل الزَّمَ
٢ ينظر: الدر المصون ٣/٢٤١..
٣ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٧٥..
٤ ينظر: الدر المصون ٣/٢٤١..
٥ تقدم..
٦ تقدم..
٧ تقدم..
٨ في أ: رأي..
٩ ينظر: القرطبي ٧/١١٣، والفخر الرازي ١٤/٣١..
١٠ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٣٥٨..
١١ في أ: شذور..
١٢ تقدم..
١٣ تقدم..
١٤ تقدم..
١٥ تقدم..
١٦ البيت لساعدة بن جؤية. ينظر : ديوان الهذليين ١/٩٠١، الكتاب ١/١٦، الخصائص ٣/٣١٩، أمالي ابن الشجري ١/٤٢، الهمع ١/٢٠٠، الدرر ١/١٦٩، الدر المصون ٣/٢٤٢..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣١..
١٩ في أ: فثبت..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٢..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٢..
٢٢ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٢..
٢٣ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٢..
٢٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٣..
٢٥ قالت المعتزلة: يجب على الله تعالى فعل الصلاح والأصلح.
والصلاح هو ما يقابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر، والغنى بالنسبة للفقر والأصلح ما قابل الصلاح كأعلى الجنة في مقابلة أدناها.
والصلاح والأصلح الواجبان على الله تعالى بالنسبة للدين والدنيا كما قال المعتزلة بغداد ويراد بهما الأوفق في الحكمة والتدبير بالنسبة للشخص لا بالنسبة للكل وقيل بالنسبة إلى علم الله تعالى.
أو الصلاح والأصلح في الدين فقط كما رأى معتزلة البصرة وهما الأنفع وهل الأنفع بالنسبة إلى علم الله أو بالنسبة إلى الشخص، خلاف لم نقف فيه على حقيقة ما نقل عن المعتزلة بالضبط لتضارب النقل عنهم.
والصيغة المشهورة عن المعتزلة: أنه إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر فساد وجب على الله فعل الصلاح وترك الفساد وإذا كان أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح وجب على الله فعل الأصلح وترك الصلاح واستدلوا على ذلك بقولهم: إن فعل الصلاح والأصلح حكمة ومصلحة يستحق فاعله المدح فيجب على الله فعله وتركه بخل وسفه يستحق تاركه الذم فيجب الفعل لأن الله منزه عما يستحق به الذم ويجاب عن ذلك بأن منع ما يكون من حق المانع الذي يثبت بالأدلة كرمه ولطفه وحكمته وعذله ليس بخلا ولا سفها وإنما هو عدل وحكمة.
ورد أهل السنة عليهم بقولهم:
لا يجب على الله شيء لأنه يتنافى مع اختياره والله قد بين أن ما وقع في الكون بمشيئته واختياره قال تعالى فعال لما يريد وضد الواقع داخل تحت مشيئته قال تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا.
لو وجب عليه شيء فإن لم يستحق بتركه الذم لم يتحقق الوجوب لأن الواجب ما استحق تاركه الذم وإن استوجب تركه الذم كان الباري ناقصا بذاته مستكملا بفعله مع أن كماله لذاته.
لو وجب عليه فعل الصلاح والأصلح لما خلق الكافر الفقير المبتلى بالأسقام المخلد في النار ولما آلم الأطفال والعجزة، ولما كان هناك تفضيل بين الناس مع أن الله يقول ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. ولما كان لله منة على عباده ولا استحق منهم شكرا لأنه لم يفعل إلا الواجب عليه، ولما صح سؤال الخير وكشف الضر لأن الله فعل ما فيه الأصلح واستنفد ما في قدرته. وأين الصلاح في خلق إبليس وإبقائه طول الزمن وإقداره على إضلال العباد.
ولا يمكن أن نقول إن كفر الكافر صلاح له وإن كل ما وقع في الكون أصلح للعباد لأن من الضروريات أن الإيمان أصلح من الكفر والسعادة أنفع من الشقاوة وإذا فالله لا يجب عليه شيء بل جميع الممكنات جائزة في حقه لما ثبت له من العلم والإرادة والاختيار والقدرة، وأما الآيات والأحاديث التي تدل على الوجوب مثل قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فمحمولة على أن المراد بها الوعد تفضلا، وهذه المسألة كانت سببا لترك الأشعري مذهب المعتزلة، فقد سأل شيخه الجبائي في ثلاثة إخوة مات أحدهم كبيرا طائعا والثاني كبيرا عاصيا والثالث صغيرا، فقال الجبائي الأول يثاب بالجنة والثاني يعاقب بالنار والثالث لا يثاب ولا يعاقب قال الأشعري فلو قال الصغير لم لم تبقني فأطيعك فأدخل الجنة ماذا يقول له الرب، فقال الجبائي يقول علمت أنك لو كبرت عصيت فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا.
قال الأشعري: فإن قال الثاني يا رب لم لم تمتني صغيرا حتى لا أدخل النار، ماذا يقول الرب فبهت الجبائي وقامت عليه الحجة.
قال صاحب الجوهرة:
وقولهم إن الصلاح واجب عليه *** زور ما عليه واجب
ألم يروا إيلامه الأطفالا *** وشبهها فحاذر المحالا .
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود