قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين قوله عز وجل: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ اختلف أهل العربية في معنى قوله: فبما أغويتني على قولين:
صفحة رقم 205
أحدهما: أنه على معنى القسم وتقديره: فبإغوائك لي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. والثاني: أنه على معنى المجازاة، تقديره: فلأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. واختلف أهل العلم في قوله: أَغْوَيْتَنِي على أربعة أقاويل: أحدها: معناه أضللتني، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: معناه خيبتني من جنتك، ومنه قول الشاعر:
(فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره
ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً)
أي ومن يخب. والثالث: معناه عذبتني كقوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَياً [مريم: ٥٩] أي عذاباً، قاله الحسن. والرابع: معناه أهلكتني بلعنك لي، يقال غوى الفصيل إذا أشفى على الهلاك بفقد اللبن، قال الشاعر:
(معطفة الأثناء ليس فصيلها
برازئها دراً ولا ميِّت غوى)
وقوله: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي على صراطك المستقيم، وفيه تأويلان: أحدهما: طريق مكة ليصد عن قصدها في الحج والعمرة، قاله ابن مسعود. والثاني: طريق الحق ليصد عنها بالإغواء، قاله مجاهد. قوله عز وجل: ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّنَ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ... الآية. فيه أربعة تأويلات: أحدها: مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أي أشككهم في آخرتهم، وَمِنْ خَلْفِهِمْصفحة رقم 206
أرغبهم في دنياهم، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ: أي من قبل حسناتهم، وَعَن شَمَآئِلِهِم من قبل سيئاتهم، قاله ابن عباس. والثاني: مِنّ بَيْنِ أيْدِيهِمْ: من قبل، دنياهم، وَمِنْ خَلْفِهِمْ: من قبل آخرتهم، وَعَنْ أَيْمَأنِهِمْ: الحق أشككهم فيه، وَعَن شَمَآئِلِهِم: الباطل أرغبهم فيه، قاله السدي وإبراهيم. والثالث: مِنّ بَيْنِ أَيْدِيهِموَعَنْ أَيْمَانِهِمْ من حيث ينظرون، وَمِنْ خَلْفِهِموَعَنْ شَمَائِلِهِم: من حيث لا يبصرون، قاله مجاهد. والرابع: أراد من كل الجهات التي يمكن الاحتيال عليهم منها، ولم يذكر من فوقهم لأن رحمة الله تصده، ولا من تحت أرجلهم لما فيه التنفير، قاله بعض المتأخرين. ويحتمل تأويلاً خامساً: مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم: فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون على طاعة، وَمِنْ خَلْفِهِم: فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عن معصية، وَعَنْ أَيْمَانِهِم: من قبل غناهم فلا ينفقونه في مشكور، وَعَن شَمَائِلِهِمِ: من قبل فقرهم فلا يمتنعون فيه عن محظور. ويحتمل سادساً: مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم: بسط أملهم، وَمِنْ خَلْفِهِم تحكيم جهلهم، وعن أيمانهم: فيما ييسر لهم، وَعَن شَمَائِلِهِم: فيما تعسر عليهم، ثم قال: وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ يحتمل وجهين: أحدهما: شاكرين لنعمك. والثاني: مقيمين على طاعتك. فإن قيل: فكيف علم إبليس ذلك؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه ظن ذلك فصدق ظنه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنَّهُ [سبأ: ٢٠] وسبب ظنه أنَّه لما أغوى آدم واستزله قال: ذرية هذا أضعف منه، قاله الحسن. والثاني: أنه يجوز أن يكون علم ذلك من جهة الملائكة بخبر من الله.