ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

ويقول الحق بعد ذلك :
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ : والإغواء. إغراء بالمعصية، ومن الإغواء الغيّ وهو : الإهلاك، يقول الحق سبحانه وتعالى : .. فسوف يلقون غيا ٥٩ [ سورة مريم. ]
وحين نقرأ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي أي فبإغوائك يا الله لي سأفعل كذا وكذا، وبذلك يكون قد نسب الإغواء لله. لكن هل يغوي ربنا أو يهدي ؟. إن الله يهدي دلالة وتمكينا، وسبق أن تكلمنا كثيرا عن هداية الدلالة ودلالة التمكين، وسبحانه خلق الشيطان مختارا، ولم يخلقه مرغما ومسخرا كالملائكة، ولأنه قد خلق مختارا فقد أعطاه فرصة أن يطيع وأن يعصى، وكأن الشيطان بقوله هذا يتمنى لو أنه قد خلق مقهورا. ويقول إن الله هو الذي أعطاه سبب العصيان. ولم يلتفت إلى أن الاختيار إنما هو فرصة لا للغواية فقط، ولكنه فرصة للهداية أيضا. وأنت أيها الشيطان الذي اخترت الغواية.
إذن فقول الشيطان : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي إنما يريد به الشيطان : أن يدخل بمعصيته على الله، ونقول له : لا، إن ربنا لم يغو ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لا يغوي وإنما يهدي ؛ لأن الله لو خلقه مرغما مقهورا ما أعطاه فرصة أن يختار كذا أو يختار كذا ؛ فقد خلقه على هيئة " افعل " و " لا تفعل "، واختار هو ألا يفعل إلا المعصية. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ( سورة الأعراف ) : والمفهوم من العبارة أنهم بنو آدم، والقعود لون من ألوان حركة الجسم الفاعل ؛ لأن المتحرك إما أن يكون قائما، وإما أن يكون قاعدا، وإما أن يكون مضجعا نائما. وأريح الحالات أن يكون نائما مضجعا ؛ لأن الجسم في هذه الحالة يكون مستريحا بفعل الجاذبية الأرضية، وحين يكون الإنسان قاعدا تقاومه الجاذبية قليلا، وحين يكون واقفا فهو يحمل ثقل جسمه على قدميه، ولذلك نقول لمن وقف طويلا على قدميه : " اقعد حتى ترتاح " ولو قعد وكان متعبا فيقال له : " اضجع قليلا لترتاح ".
ولماذا اختار الشيطان أن يقول : لأَقْعُدَنَّ ؟ حتى يكون مطمئنا، فقد تعب من الوقفة، أيضا وهو في حالة قعود يكون متنبها متيقظا، والحق يقول : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ.. ٥ [ سورة التوبة ] : ولم يقل : " قفوا " حتى لا يرهق الناس أنفسهم بالوقوف الطويل، ولكن ساعة يواجهون الأمر فعليهم بالنهوض. والقعود أقرب إلى الوقوف، لأن الأضجع أقرب إلى التراخي والنوم، وقد اختار الشيطان الموقف الذي يحفظ له قوته، ويبقى له انتباهه : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ . ومادام الشيطان سيغوي، وسيضل الغير، فسيختار للغواية من يكون في طريق الهداية. إنما من غوى باختياره وضل بطبيعته فالشيطان قد استراح من ناحيته ولا يريده، وتلك ظاهرة تحدث للناس حينما يجدون ويجتهدون في الطاعة ؛ فالشاب الطائع الملتزم يحاول الشيطان أن يخايله ليصرفه عن الصلاة والطاعة ؛ لأن الشيطان يتلصص على دين الإنسان، فهو كاللص، واللص لا يحوم حول بيت خرب. إنما يحوم اللص حول بيت عامر بالخير.
إننا نلاحظ هذه المسألة في كل الناس حينما يأتون للصلاة فيقول الواحد منهم : حينما أصلي يأتي له الوسواس، ويشككني في الصلاة، نقول له نعم هذا صحيح، وحين يأتي لك هذا الوسواس، فاعتبره ظاهرة صحية في الإيمان ؛ لأن معناه أن الشيطان عارف أن عملك مقبول، ولذلك يحاول أن يفسد عليك الطاعة ؛ لأنك لو كنت فاسدا من البداية، ووقفت للصلاة دون وضوء لما جاءك الوسواس. لكن الشيطان يريد أن يفسد عليك الطاعة ولذلك يقول الله : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.. ( ٢٠٠ ) . سورة الأعراف .
لماذا ؟. لأن الله خلقك وخلقه، وإن كنت لا تستطيع دفعه لأنه يجري منك مجرى الدم في العروق وينفذ إليك بالخواطر والمواجيد التي لا تضبطها ؛ ويأتي إليك بمهام الأشياء في وقت الصلاة ؛ فتتذكر الأشياء التي لم تكن تتذكرها، ويأتي لك بأعقد المسائل وأنت تصلي، وكل ذلك لأنه قال : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ولم يقل إنه سيقعد على الطريق المنحرف، ولن يجلس الشيطان في مجلس خمر، لكنه يقعد على أبواب المساجد أو في المساجد ليفسد للناس أعمالهم الصالحة. فماذا نفعل في هذه الحال ؟. يدلنا الحق سبحانه أن نستعيذ : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ : فمعنى فاستعذ أي فالتجأ منه إلى الله ؛ لأن الله الذي أعطاه الخاصية في أن يتغلغل فيك، وفي دمك، وفي خواطرك، هو القادر على منعه، وحين تقول : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بفزع والتجاء إليه سبحانه فإنه جل شأنه ينقذك منه. وإن كنت تقرأ القرآن ثم جاء لك الخاطر من الشيطان فقل : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فإذا قلت هذا فكأنك نبهته إلى أنك أدركت من أين جاءت هذه النزغة : مرة واثنتين وثلاثا، فيقول الشيطان لنفسه : إن هذا المؤمن حاذق فطن وحذر لا أستطيع غوايته، ولأبحث عن غيره.
ولذلك رأينا الإمام أبا حنيفة، وقد شهر عنه الفتيا، وذهب إليه سائل يقول : ضاع مني مال في أرض كنت قد دفنته فيها، ولا أعرف الآن مكانه. دلني عليه أيها الشيخ ؟. وبطبيعة الحال كان هذا السؤال في غير العلم، فقال أبو حنيفة : يا بني ليس في ذلك شيء من العلم، ولكني أحتال لك ؛ إذا جاء الليل فقم بين يدي ربك مصليا هذه الليلة، لعل الله سبحانه وتعالى يبعث لك جندا من جنوده يقول لك عن مكان مالك.
وبينما أبو حنيفة يؤدي صلاة الفجر، وإذا بالرجل يقبل ضاحكا مبتسما قائلا : يا إمام لقد وجدت المال، فضحك أبو حنيفة، وقال : والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك تتم ليلتك مع ربك، وسيأتي ليخبرك، فهلا أتممتها شكرا لله، هيا قم على الصلاة. إذن فقد عرف الشيطان كيف يقعد : وكيف يقسم، لأنه في آية أخرى يقول : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٢ ( سورة ص ) : لقد استطاع أن يأتي بالقسم الذي يعينه على مهمته ؛ فقال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أي بامتناعك عن خلقك وعدم حاجتك إليهم فأنت الغالب الذي لا يقهر ؛ لأنك إن أردتهم ما استطعت أن آخذهم، لكنك شئت لكل إنسان أن يختار : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( من الآية ٢٩ سورة الكهف ).
فأقسم، ومن هذا الباب يدخل الشيطان على الإنسان : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ واستدرك على نفسه أيضا وقال : إلا عبادك منهم المخلصين٨٣ ( سورة ص ) : لأن الذي يريده الله مهديا لا يستطيع الشيطان أن يغويه ؛ لأنه لا يناهض ربنا ولا يقاومه، إنما يناهض خلق الله، ولا يدخل مع ربنا في معركة، إنما يدخل مع خلقه في معركة ليس له فيها حجة ولا قوة ؛ لأن الذي يغلب في المعارك إما أن يرغمك على الفعل، وإما أن يقنعك لتفعل أنت بدون إرغام. وهل يملك إبليس واحدة من هذه ؟. لا، ولذلك سيأتي في الآخرة يقول : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ( من الآية ٢٢ سورة إبراهيم ) : والسلطان قسمان : سلطان يقهر، وسلطان يقنع. والشيطان يدخل على الإنسان من هذه الأبواب.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير