وجملة : قَالَ فبِمَا أَغْوَيْتَنِي مستأنفة كالجمل السابقة، واردة جواباً لسؤال مقدّر، والباء في فبِمَا للسببية، والفاء لترتيب الجملة على ما قبلها. وقيل : الباء للقسم كقوله : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أي فبإغوائك إياي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ، والإغواء : الإيقاع في الغيّ. وقيل : الباء بمعنى اللام، وقيل : بمعنى مع. والمعنى : فمع إغوائك إياي. وقيل :«مَا » في فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي للاستفهام. والمعنى : فبأي شيء أغويتني والأوّل : أولى. ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سبباً لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه، وأن ذلك كان بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى. وقيل : أراد به اللعنة التي لعنه الله، أي فبما لعنتني فأهلكتني، لأقعدنّ لهم ومنه : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً أي هلاكاً. وقال ابن الأعرابي : يقال : غوى الرجل يغوي غياً، إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه : وعصى آدَمَ رَبَّهُ فغوى أي فسد عيشه في الجنة لأقْعُدَنَّ لَهُمْ أي لأجهدنّ في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم. والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة. وانتصابه على الظرفية، أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن، واللام في ( لأقعدنّ ) لام القسم، والباء في بِمَا أَغْوَيْتَنِي متعلقة بفعل القسم المحذوف، أي فبما أغويتني أقسم لأقعدنّ.
وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر، فيقول : أتنكر من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا ربّ، فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا يا ربّ، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة، وإنّه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول : يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " وقد صححه أيضاً الترمذي، وإسناده أحمد حسن.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، في قوله : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم قال : خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء.
وأخرج الفريابي عنه أنه قال : خلقوا في ظهر آدم، ثم صوّروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال : أما خلقناكم فآدم، وأما ثم صوّرناكم فذريته.
وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال : خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار، وخلق آدم مما وصفه لكم» وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : أوّل من قاس إبليس في قوله : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ وإسناده صحيح إلى الحسن. وأخرج أبو نعيم في الحلية، والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم، فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه، قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث، فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوّة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : فبِمَا أَغْوَيْتَنِي أضللتني. وأخرج عبد بن حميد، عنه، في قوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم قال : طريق مكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس وَعَنْ أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ قال : أسنّ لهم المعاصي وأحق عليهم الباطل وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين قال : موحدين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يقول : من حيث يبصرن وَمِنْ خَلْفِهِمْ من حيث لا يبصرون وَعَنْ أيمانهم من حيث يبصرون وَعَن شَمَائِلِهِمْ من حيث لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه، أيضاً في الآية قال : لم يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من فوقهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله : مَذْءومًا قال : ملوماً، مدحوراً : قال مقيتاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد مَذْءومًا قال : منفياً مَّدْحُورًا قال : مطروداً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني