ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يستبون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ١٦٣ [ الأعراف : ١٦٣ ].
قصة هذه القرية كان يخفيها اليهود لأنها سبة عليهم، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم بها وسؤالهم عنها مع أنه نبي أمي من معجزاته وأدلة نبوته ؛ لأنه ما علمها إلا عن طريق الوحي.
وسنذكرها ملخصة موجزة ثم نذكرها مفصلة في الآيات التي شرحتها. وقد ألممنا بهذه القصة في هذه الدروس في سورة البقرة في الكلام على قوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ٦٥ [ البقرة : آية ٦٥ ] فآيات سورة الأعراف هنا بسط وشرح لقوله في البقرة : ولقد علمتهم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ٦٥ .
هذه القرية يزعم المفسرون – أغلبهم وأكثرهم- أنها قرية تسمى ( أيلة ) قريب من العقبة، على ذلك الشاطئ، بين الطور ومدين، وأنها في زمن داود ( عليه السلام ) كان محرم عليهم الاصطياد في السبت كما تقدم في قوله : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم [ المائدة : آية ٧٨ ] وكان يشتد قرمهم إلى لحم السمك – والقرم بفتحتين : شهوة اللحم- وكان الله افتتنهم فتنة، كان إذا كان يوم السبت جاءهم السمك على وجه البحر أفواجا أفواجا كالكباش البيض حتى يتمكن كل إنسان من اخذ ما شاء منه في أحسن حال وأسمنها، فإذا غربت شمس يوم السبت تمنع في البحر فلا يقدرون على شيء منه ! ! وهذا ابتلاء وامتحان لهم، فمكثوا من الزمن بهذا ما شاء الله، ثم بعد ذلك اشتدت شهوتهم إلى اللحم فصاروا يحتالون على السمك يوم الجمعة –مثلا- فيحفون فيجرون في الماء أخاديد يسيل فيها الماء، فإذا انتهت حفروا حفرا عميقة، فإذا جاء الحوت مع تلك الأخاديد المائية نزل في الحفرة فلا يقدر على الرجوع فأخذوه يوم [ الأحد ] ! ! وكان بعضهم –فيما يقولون- يجعل في ذنب الحوت خيطا ويدق وتدا على الشاطئ، ويمسك رأس الخيط فيه، ويبقى الحوت في الماء ممسكا بالخيط، فإذا غربت شمس يوم السبت جاء وأخذه، فلما فعلوا هذه الحيل ولم يعاجلهم العذاب كأنهم تجرؤوا وتشجعوا وقالوا : لعل حرمة صيد السمك رفعها الله ؛ لأنه لم يفعل بنا بأسا، فلم يزالوا يتدرجون في الحيل حتى صار بضعهم يصطاده علنا ويملحونه ويبيعونه في الأسواق، وكانوا ثلاث طوائف :
طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، وطائفة نهتهم عنه وقالوا : معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [ الأعراف : آية ١٦٤ ] وطائفة قالوا للذين نهيتهم : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا . والله بين أن الذين اعتدوا في السبت عذبهم عذابا بئيسا وهو مسخهم قردة، وقيل : بعضهم خنازير، كما يأتي تفصيله، كما ذكره في قوله : فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ١٦٦ [ الأعراف : آية ١٦٦ ] وفي قوله : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون [ الأعراف : آية ١٦٥ ].
والطائفة الذين نهت أنجاهم الله كما ذكره بقوله : أنجينا الذين ينهون عن السوء [ الأعراف : آية ١٦٥ ] وبقيت الطائفة التي قالت : لم تعظون قوما الله مهلكهم فبعض العلماء يقول : هم مع الهالكين، والمحققون يقولون : هم ناجون ؛ لأنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا لقومهم : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا [ الأعراف : آية ١٦٤ ] وذكروا عن عكرمة أنه كان يقول : إن ابن عباس ما كان يدري هل نجوا أو أهلكوا حتى أقنعه عكرمة بأنهم نجوا فكساه حلة. ومن أظهر الأدلة في أنهم نجوا قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة [ البقرة : آية ٦٥ ] فرتب بالفاء قوله : قردة لخصوص الذين اعتدوا، وهؤلاء لم يعتدوا بل إنما لم يذكر عنهم أنهم نهوا. ولما كانوا يفعلون هذا، وصاروا يصطادون السمك علنا، ونهاهم قومهم قال لهم قومهم : والله لا نساكنكم ؛ لأنا نخاف أن ينالنا العذاب الذي سينزل عليكم. فيذكر المفسرون في قصتهم أنهم قسموا القرية، ويزعمون أن الذين اصطادوا قربا من سبعين ألفا، وأن الذين نهوا قربا من اثني عشر ألفا، والله أعلم. فهي إسرائيليات لم يثبت فيها شيء. قالوا : فجعلوا بينهم حائطا، وقسموا القرية بينهم نصفين، لكل منهم مدخل ومخرج غير مدخل الثاني ومخرجه، فمكثوا على ذلك ما شاء الله، ثم لما كان ذات يوم فإذا قرية المعتدين لم يفتح بابها، ولم يخرج منها أحد، فتسوروا عليهم الحائط فوجدوهم –والعياذ بالله- مسخوا قردة، يذكر المفسرون أن الواحد من القردة يعرف نسبه من الآدميين الذين لم يمسخوا فيجيئه ويتمسح به ويبكي، وأن الآدميين يقولون : ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله ؟ وأنهم يشيرون برؤوسهم أن نعم –هكذا- وسيأتي هذا مفصلا بحسب الآيات التي ذكره الله فيها من سورة الأعراف هذه. وهذا معنى قوله : وسألهم يا نبي الله.
قرأه أكثر السبعة : وسألهم وخفف بعضهم بنقل الحركة وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر .
حاضرة البحر معناها : مبنية على شاطئه بحضرته قريبا منه، وهو على ما يقوله أكثر المفسرين قرية تسمى ( أيلة ) خلافا لمن زعم أنها ( مدين )، ومن زعم أنها ( طبرية )، ومن زعم أنها تسمى معنى، ومن زعم أنها تسمى ( مقنات ) فكل هذا إسرائيليات، ولكن أكثر الأخبار والروايات أنها ( أيلة ) كما ذكرنا. وهذا معنى قوله : وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت [ الأعراف : آية ١٦٣ ] اسألهم عنهم حين يعدون في السبت .
يعدون معناه : يجاوزون حدود الله، وينتهكون أوامره باصطياد السمك يوم السبت إذ تأتيهم حين يأتيهم حيتانهم الحيتان : جمع حوت، وياؤه مبدلة من واو ؛ لأن أصل الحوت ثلاثي واوي العين، زيدت في جمعه الألف والنون وأبدلت الواو ياء لسكونه بعد كسرة، كما في ( الميزان ) من الوزن، و( الميعاد ) من الوعد، و( الميقات ) من الوقت، و ( الحيتان ) ياؤه مبدلة من واو جمع حوت.
إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم السبت مصدر سبت اليهود سبتا إذا عظموا يوم السبت بالانقطاع للعبادة فيه وترك صيد السمك. وهذا معنى قوله : إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا [ الأعراف : آية ١٦٣ ] شرعا جمع شارع. قال بعض العلماء : تأتيهم مقبلة، وتأتيهم الحيتان مقبلة ظاهرة على وجه الماء كأنهم صفوف كثيرة حتى تستر وجه الماء من كثرتها، فالشرع على هذا بمعنى الظاهرة المقبلة على وجه الماء، والعرب تقول : شرعت على فلان فوجدته يفعل كذا. معناه : أقبلت عليه حتى قربت منه فوجدته يفعل كذا.
ويوم لا يسبتون أي يوم لا يعظمون السبت ؛ لأنه يوم آخر من أيام الأسبوع لا تأتيهم فتنة لهم وامتحانا كذلك نبلوهم كذلك البلاء العظيم نبلوهم بما كانوا يفسقون . نبلوهم معناه : نختبرهم بسبب كونهم فاسقين، فقد ابتلوا بالطمع ولم ينجحوا، وقد ابتلوا بالخوف ولم ينجحوا، لأن الابتلاء الذي يميز ذهب الرجال من زائفهم هو الطمع والخوف، فإن المحن الذي يظهر بها ذهب الرجال وإبريزهم إنما هي محن الخوف والطمع، وقد ابتلى الله أمة موسى بالخوف والطمع، وابتلى أمة محمد بالخوف والطمع، فنجح أمة محمد ولم تنجح أمة موسى ؛ لأن الطمع الذي ابتلى الله به بني إسرائيل هو هذه القرية التي ذكرنا، وسيأتي أنهم اصطادوا السمك في السبت فمسخوا قردة كما يأتي في قوله : فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة [ الأعراف : آية ١٦٦ ] والعياذ بالله ؛ لأنهم لم يصمدوا أمام الطمع، ولم تقو شكائمهم أمام الطمع، بل ذابوا وانماعوا أمام طمع شهوة اللحم. وكذلك لما ابتلاهم بالخوف في جهاد الجبارين وقال لهم : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين [ المائدة : آية ٢١ ] فجبنوا ولم يشجعوا. وقال تعالى عنهم إنهم قالوا : إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها [ المائدة : آية ٢٢ ] وقد قالوا لنبيهم : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ٢٤ [ المائدة : آية ٢٤ ] فلم يثبتوا أمام عواصف الطمع، ولم يثبتوا أمام عواصف الخوف، بخلاف هذه الأمة الكريمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ابتلاهم بالطمع بنفس الصيد، وذلك في غزوة الحديبية في ذي القعدة من عام ست، ابتلاهم الله وهم في سفر وشدة قرم - يعني شدة شهوة إلى اللحم- ابتلاهم بأن يسر لهم جميع أنواع الصيد وهم محرمون، كبير صيد وصغيره من أنواع الوحوش والطير وغير ذلك فلم يمد رجل منهم يده إلى شيء من ذلك، فنجحوا ولم تزعزعهم عواصف الطمع، بل ثبتوا أمامه ثبوت الرجال، وهنا قد تقدم في قوله : يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ٩٤ [ المائدة : ٩٤ ] فثبتوا ولم تزعزعهم عواصف الطمع، وكذلك ابتلاهم بالخوف لما سافر النبي صلى الله عليه وسلم سفره في غزوة بدر الكبرى كما سيأتي تفاصيله في سورة الأنفال –إن شاء الله تعالى- وقد خرج لأجل عير في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا يريدون عيرا ليأخذوها، فجاءهم جيش عرمرم، نفير مسلح، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش وذكر أمرهم لقومه –وهو أمر مخيف ؛ لأنه جيش عظيم في عدده وعدده وهم قليلون كما قال تعالى : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [ آل عمران : آية ١٢٣ ] هم قليل عددهم وعددهم بالنسبة إلى عدوهم فلما عرض ذلك عليهم –قال له المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود من بني بهراء من قبائل اليمن، حليف قريش، قال له : والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا من دونه معك، ولو خضت بنا البحر لخضناه، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى. فلما أعاد الكلام قال له سعد بن معاذ ( رضي الله عنه وأرضاه ) : كأنك تعنينا معشر الأنصار ؟ قال : نعم. لأن الأنصار اشترطوا عليه ليلة العقبة أنهم يحمونه مما يحمون منه أبناءهم ونساءهم في نفس المدينة، ولم يشترطوا له الخارج عن بلادهم، فكان صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا يكونوا معه في الخارج عن ديارهم، فلما قال له سعد بن معاذ ( رضي الله عنه ) : كأنك تعنينا معشر الأنصار ؟ قال له : نعم. قال كلامه المعروف المشهور في المغازي والتاريخ –العظيم الدال على عظيم الثبات- الذي يقول فيه : والله إنا لقوم صبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ووالله ما نكره أن تلقى بنا عدوك حتى ترى منا ما يقر عينك، والله لقد تخلف عنك بالمدينة أقوام لو علموا أنك تلقى كيدا ما تخلف عنك منهم أحد. ونحو هذا من الكلام ؛ فثبتوا وصمدوا عند هذا الخوف العظيم، وثبتوا أمام هذا الطمع العظيم، بخلاف الإسرائيليين –كما بينا وكما جاء هنا في الأعراف- من سقوطهم أمام الطمع، وكما قدمنا في سورة المائدة من سقوطهم أمام الخوف. وهذا معنى قوله : إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون [ الأعراف : آية ١٦٣ ] البلاء معناه الاختبار، وهو يقع بالخير والشر، كما قال : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : آية ١٦٨ ] ولم ينجحوا في هذا البلاء إلا الذ

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير