أي: حط عنا ذنوبنا، نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم، أي: يستر ذنوبكم، سَنَزِيدُ المحسنين، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران.
(قوله): فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ.
أي: غَيَّروا ما أُمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: حِطَّةٌ، قالوا: " حنطة في شعير "، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء، أي عذاباً، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم.
وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خَلقٌ مِنْهُمْ. وقد ذكر في البقرة.
قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر، إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
قوله: إِذْ يَعْدُونَ.
إِذْ: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم.
وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ.
أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال.
وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى.
وهو عند الزجاج على الحكاية.
والعامل في الظرف الفعل الذي بعده.
ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أَمْرِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر.
أي: بقربه/ وشاطئه.
قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: أَيْلَةَ، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئاً. فعمد رجالٌ من سفهاء تلك القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالو: إنا نرى السبت قد حُلَّ، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثرَوْا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا.
وسؤاله، ( ﷺ)، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم والتبكيت، ويذكرهم
بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله ( تعالى)، أعلمه بأمر القرية.
قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة "، وكان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، وكذلك قال السدي، وغيره.
وقال قتادة: هي ساحل مَدْيَنَ.
[قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مَقْنَا "، بين مدين وعَيْنُوناً.
وقال ابن شهاب: هي: طَبَرِيَّة.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها مَدْيَنَ.
وأما قوله: واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية [يس: ١٣]، فأكثرهم على أنها أنطاكية.
ومعنى: إِذْ يَعْدُونَ [فِي السبت].
أي: [إذا] يعتدون إلى ما حرم الله، ( تعالى).
[ و " العُدْوَانُ ": التجاوز إلى ما حرم الله].
وكان الله تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه وتركوا
ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهمه، شُرَّعاً، أي: ظاهرة على الماء.
وقال ابن عباس شُرَّعاً: من كل مكانٍ.
يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ: إذا استراح.
وقرأ الحسن: " ويَوْمَ لاَ يُسْبِتُونَ "، بضم الياء، من: " أَسْبَتَ القَوْمُ "، إذا دخلوا في السبت.
ورُوي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهلَلْنَا "، دخلنا في الهلال، و " أَجْمَعْنا " مرت بنا جمعة.
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم.
أي: نختبرهم.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دُخِلَ على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ [الأعراف: ١٦٥]، الآية. فقال: قد عَلِمْتُ أن الله تعالى، أهْلَكَ الذين أخذوا الحيتان، ونَجَّى الذين نَهَوْهُمْ، ولا أدري ما الذي صنع بالذين لَمْ يَنْهَوْا، ولم يُواقِعُوا المعصية.
قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب، فقالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً.
لاَ تَأْتِيهِمْ، وقف، عند نافع، والأخفش.
ثم قال تعالى: وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ.
أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من أكثرهم ما يُنْكَرُ عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً سيلحقهم أحد هذين: العَذَابُ،
أو الهَلاَكُ، قالت الطائفة التي أنكرت: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
فمن رفع: مَعْذِرَةً فتقديره: قالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، أي: إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَعَظْنَاهُمْ.
ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذاراً.
وقيل: النصب على تقدير: فَعَلْنَا ذَلِك/ مَعْذِرَةً.
وَرُوِيَ وجها النصب عن الكسائي.
وفرَّق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا من أمر لِيُموا عليه، ولكنّهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرةٌ.
ولو قال رجل لرجل: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا، يريد: اعْتِذَراً، لَنصَبَ؛ لأنه إنما اعتذر من أمر ليمَ عليه.
والمعنى: واذكر، يا محمد، وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ، أي: جماعمة الجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرةٌ إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَعَظْنَاهُم.
قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ، فلما نزل العذاب نجبت الطائفتان: التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً والتي قالت: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ، وأهلك الله، ( تعالى)، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير.
قال السدي: قال الواعظون: بعضهم لبعض: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ.
وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثاً، ثلث نَهَوْا، وثلث قالوا: لِمَ تَعِظُونَ، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوْا. قال الله ( ﷺ) : أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء [الأعراف: ١٦٥].
ورُوِيَ عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعلب بالساكتين.
وقال الكَلْبِي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: لِمَ تَعِظُونَ، وهي المَوْعُظَةُ.
وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت: للواعظين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ على قولكم. وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة.
وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذه العمل قبل أن ينزل بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، ( تعالى)، مهلكنا،
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي