ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

قوله : وَاسْألْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر معطوف على عامل إذ المقدّر، أي اذكر إذ قيل لهم واسألهم، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، والمراد من سؤال القرية : سؤال أهلها، أي اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به. وفي ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله سبحانه، فيكون دليلاً على صدقه.
واختلف أهل التفسير في هذه القرية : أيّ قرية هي ؟ فقيل أيلة. وقيل طبرية. وقيل مدين. وقيل إيليا. وقيل قرية من قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة البحر، أي التي كانت بقرب البحر. يقال كنت بحضرة الدار، أي بقربها. والمعنى : سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين عن قصة أهل القرية المذكورة. قرئ واسألهم وقرئ «سلهم ».
إِذْ يَعْدُونَ أي وقت يعدون، وهو ظرف لمحذوف دلّ عليه الكلام، لأن السؤال هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون. وقيل : إنه ظرف لكانت أو لحاضرة. وقرئ «يُعِدُّون » بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد للآلة. وقرأ الجمهور يعدون بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة، أي يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه. وقرئ «يعدّون » بفتح الياء والعين وضم الدال مشدّدة بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال. والسبت : هو اليوم المعروف وأصله السكون. يقال سبت : إذا سكن وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات، وقرأ ابن [ السميفع ] في «الأسبات » على الجمع.
إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ظرف ليعدون. والحيتان : جمع حوت، وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان يوم السبت دون ما عداه. و يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظرف لتأتيهم. وقرئ «يوم أسباتهم » و شُرَّعًا حال، وهو جمع شارع، أي ظاهرة على الماء. وقيل رافعة رؤوسها. وقيل : إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض. قال في الكشاف : يقال شرع علينا فلان إذا دنى منا وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ أي : لا يفعلون السبت، وذلك عند خروج يوم السبت لا تأتيهم الحيتان، كما كانت تأتيهم في يوم السبت كذلك نَبْلُوهُم أي : مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم. والابتلاء الامتحان والاختبار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : قال موسى : يا ربّ أجد أمة أناجيلهم في قلوبهم، قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال : يا ربّ أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهنّ، قال : تلك أمة تكون بعدك : أمة أحمد. قال : يا ربّ أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم، فيأكلون، قال : تلك أمة بعدك : أمة أحمد. قال : يا ربّ اجعلني من أمة أحمد. فأنزل الله كهيئة المرضاة لموسى وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ الآية، قال : بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا وكانوا إثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا.
قال ابن جريج : قال ابن عباس : فذلك قوله : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إسرائيل اسكنوا الأرض فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ووعد الآخرة عيسى ابن مريم. قال ابن عباس ساروا في السرب سنة ونصفاً.
أقول : ومثل هذا الخبر العجيب والنبأ الغريب محتاج إلى تصحيح النقل.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال : افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة. وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ فهذه التي تنجو. وأما النصارى فإن الله يقول : مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ فهذه التي تنجو. وأما نحن فيقول : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ فهذه التي تنجو من هذه الأمة. وقد قدّمنا أن زيادة كلها في النار لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : فانبجست قال : فانفجرت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس، وهو يقرأ هذه الآية : وَاسأَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر قال : يا عكرمة هل تدري أيّ قرية هذه ؟ قلت لا، قال : هي أيلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري قال : هي طبرية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قله : إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت قال : يظلمون. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله : شُرَّعًا يقول : من كل مكان. وأخرج ابن جرير، عنه، أيضاً قال : ظاهرة على الماء. وأخرج ابن المنذر، عنه، قال : واردة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه، في الآية قال : هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة، يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غياً، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن هؤلاء قوم حق عليهم العذاب لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ وكانوا أشدّ غضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا لِمَ تَعِظُونَ والذين قالوا : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، أنهم ثلاث فرق : فرقة العصاة، وفرقة الناهون وفرقة القائلون لم تعظون ؛ فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم، وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون إن للناس لشأناً فانظروا ما شأنهم ؟ فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر القصة، وفي آخرها أنه قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا. ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها. قال عكرمة : فقلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ قال فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أيضاً قال : نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عنه قال : والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحبّ إلي مما عدل به. وفي لفظ : من حمر النعم، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : قال ابن عباس : ما أدري أنجا الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أم لا ؟ قال : فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة. وأخرج عبد بن حميد، عن ليث بن أبي سليم، قال : مسخوا حجارة الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ . وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله : بِعَذَابِ بَيس قال : أليم وجيع.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية