ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

عن أمر اللَّه، ووضع الشيء -أيضًا- في غير موضعه. أكرم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم -أيضًا- من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.
* * *
قوله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) قال بعض أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة.
وقال آخرون: أريحا.

صفحة رقم 69

ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عَزَّ وَجَلَّ.
وقوله: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ....).
أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)، والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبدًا إنما يلزم المسئول دون المستخبر، لكن الاستخبار يكون من وجهين:
أحدهما: ابتداء إخبار.
والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؟ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم.
وقال قائلون: لم يأمره بالسؤال حقيقة، ولكنه على التمثيل؛ كأنه قال: لو سألتهم يقولون لك كذا؛ كقوله: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) ليس على الأمر أن اسألهم، ولكن لو سألتهم كان كذا، وأجابوك بكذا، فعلى ذلك هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ).
عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: ابتدعوا السبت فعظموه، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان.
وقال مجاهد: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بلا مؤنة أولا، تكلف، ابتلوا به، ولا تأتيهم في غير مثله.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (شُرَّعًا) هي التي قد دنت من الشط، والواحد: شارع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْبِتُونَ).
أي: لا يدخلون في السبت؛ كما يقال: لا يربعون ولا يخمسون، أي: لا يدخلون

صفحة رقم 70

فيه، ويسبتون أي يدخلون فيه، وكذلك يربعون ويخمسون.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (شُرَّعًا) أي: شوارع، (إِذْ يَعْدُونَ) أي: يتعدون الحق، ويقال: عدوت على فلان: إذا ظلمته.
وقال الكيساني: يقرأ: (يَسْبِتُونَ) بالرفع، ويقرأ بالفتح؛ فمن قرأها (يَسْبِتُونَ) بالفتح أراد سبتوا أي عظموا يقال: سبت يسبت سبتًا وسبوتًا إذا عظم، ومن قرأها برفع الياء أراد أنهم، دخلوا في السبت.
وقال قائلون: قوله: (شُرَّعًا) أي: كثيرة، أي: تكثر لهم الحيتان يوم السبت، وهو اليوم الذي حرم عليهم الحيتان، وتقل في غير ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ابتلاهم اللَّه بتحريم السمك في السبت؛ ليرى الخلق المطيع منهم من العاصي.
وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السر؛ ليكون فسقهم وتعديهم ظاهرًا عند الخلق كما كان عند اللَّه؛ لئلا يقولوا عند التعذيب إنهم عذبوا بلا ظلم ولا تعد - واللَّه أعلم -.
وذلك قوله: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
وقال - قائلون في قوله: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ): إنما أمره أن يسألهم أما عذبهم اللَّه بذنوبهم؟ ثم أخبر عن ذنوبهم فقال: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) أي: يعتدون في السبت.

صفحة رقم 71

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية