يقول الله جل وعلا : وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ١٦٤ [ الأعراف : آية ١٦٤ ].
قرأ هذه الحرف عامة القراء منهم السبعة غير عاصم في رواية حفص خاصة : معذرة إلى ربكم بضم التاء، وقرأه عاصم وحده في رواية حفص : معذرة إلى ربكم بنصب التاء.
أما على قراءة الجمهور ف معذرة خبر مبتدأ محذوف، أي : موعظتنا لهؤلاء معذرة عند الله. أو هذه الموعظة معذرة.
أما على رواية حفص عن عاصم : معذرة إلى ربكم ففي إعرابه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول من أجله، أي : وعظناهم لأجل المعذرة. أي : لنقيم عذرنا عند الله.
الثاني : أنه مفعول مطلق، أي : نعتذر معذرة عند الله جل وعلا.
وقوله في هذه الآية الكريمة : وإذ قالت أمة منهم واذكر يا نبي الله وإذ قالت حين قالت أمة منهم : لم تعظون قوما الله مهلكهم الميم في قوله : لم تعظون هي ما الاستفهامية. والمقرر في علم العربية أن ما الاستفهامية إذا جرت حذف ألفها كما هو معروف، والمعنى : لأي موجب تعظون ؟ ( تعظون ) مصدر وعظه يعظه إذا كلمه كلاما يلين له قلبه لينتهي عما لا يرضي الله. لم تعظون لأي موجب وأي حكمة تعظون قوما متمردين متمادين على العصيان وعدم الانفكاك الله مهلكهم إهلاك استئصال أو معذبهم عذابا شديدا لجراءتهم عليه وانتهاكهم حرماته.
وهذه الطائفة قال بعض العلماء : هي أشد الذين نهوا، وإنما قالت : لم تعظون لأنها جربت وعظهم وعلمت أنهم لا فائدة فيهم ولا ينزعون ولا يقلعون. وقال بعض العلماء : هذه الطائفة الثالثة التي لم تباشر الاعتداء في السبت ولم تنه الذين اعتدوا في السبت. وقد ذكرنا بالأمس أن العلماء ( رضي الله عنهم )، كما يدل عليه ترتيبه بالفاء في قوله : فقلنا لهم كونوا قردة [ البقرة :]ة ٦٥ ] في سورة البقرة على خصوص الاعتداء في السبت خاصة في قوله : ولقد علمتهم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة فرتب قوله : كونوا قردة على خصوص الاعتداء في السبت. وهذا معنى قوله : لم تعظون قوما الله مهلكهم إهلاكا مستئصلا أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم نعتذر بموعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. أو وعظناهم لأجل المعذرة عند ربكم ولعلهم يتقون ولرجائنا أيضا أن تؤثر فيهم الموعظة فيتقوا الله ويكفوا عن ما هم مصرون عليه من ارتكاب هذا الذنب العظيم الذي هو صيد السمك يوم السبت.
وهذا الآية الكريمة جاء فيها بيان حكمتين من حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حكم ثلاث تضمنت هذه الآية من سورة الأعراف من تلك الحكم الثلاث اثنتين، أما الحكم الثلاث :
فالأولى منها : أن يقيم الإنسان عذره أمام ربه، ويخرج بذلك الأمر من عهدة التقصير في الآمر بالمعروف ؛ لئلا يدخل في قوله : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ٧٩ [ المائدة : آية ٧٩ ] وهذه الحكمة أشاروا لها بقوله : معذرة إلى ربكم .
الحكمة الثانية : هي رجاء انتفاع المذكر، كما قال هنا عنهم : ولعلهم يتقون وذكر الله هذه الحكمة في قوله : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ٥٥ [ الذاريات : آية ٥٥ ].
الحكمة الثالثة : من حكم الأمر بالمعروف التي لم تذكر في هده الآية الكريمة : هي إقامة الحجة لله على خلقه في أرضه نيابة عن رسله ؛ لأن الله يقول : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ النساء : آية ١٦٥ ] فأهل العلم يقيمون حجة الله على خلقه بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن الرسل في ذلك، وهذا معنى قوله : معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [ الأعراف : آية ١٦٤ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير