وقال أبو بكر: (وعلى هذا الوجه كَذَلِكَ راجعة على الشروع في قوله: يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا. والتقدير: وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ (١) الإتيان بالشروع، وموضع الكاف على هذا الوجه نصب بالإتيان على الحال، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان) (٢).
وقوله تعالى: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. قال ابن عباس: (يريد: بعصيانهم رب العالمين خُذلوا) (٣).
وقال الزجاج: (أي: شددت عليهم المحنة بفسقهم) (٤).
١٦٤ - وقوله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ الآية. قال أهل التفسير (٥): (افترق أهل القرية ثلاث فرقٍ؛ فرقة صادت وأكلتْ، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ).
قال الزجاج: (لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين،
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٧، والسمين في "الدر" ٥/ ٤٩٣ - ٤٩٤، وقال الهمداني في "الفريد" ٢/ ٣٧٥: (الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: نبلوهم بلاءً مثل ذلك البلاء الشديد ويوقف على تَأْتِيهِمْ، وهو الوجه وعليه الجمهور، والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإتيان الذي يأتي يوم السبت ويوقف على كَذَلِكَ) اهـ.
(٣) "تنوير المقباس" ٢/ ١٣٦.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٥.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٩٣ - ٩٨ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٠، والحاكم وصححه ٢/ ٣٢٢، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وانظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٧٧، والثعلبي ٦/ ١٤ أ، والماوردي ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، أي: موعظتنا إياهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ والمعنى: أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرًا إلى الله تعالى) (١)، والمعذرة مصدر كالعذر.
و (٢) قال أبو زيد: (عذرته أعذِره عُذرًا ومعذِرةً وعُذرَى) (٣)، ومعنى عذره في اللغة (٤): قام بعذرهِ، وقبل (٥) عذره، يقال: من يعذرني، أي: من يقوم بعذري، وعذرت فلانًا فيما صنع، أي: قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله، فإنا إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر، قلنا: قد فعلنا، فنكون بذلك معذورين. وقال الأزهري: (المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر، وأقيم مقام الاعتذار، كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا، فأقيم الاسم مقام الاعتذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا وعذرة (٦) ومعذرة من ذنبه فعذرته) (٧).
وذكرنا معنى الاعتذار وأصله (٨) في اللغة في سورة براءة عند قوله (٩):
(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٣) "الحجة" لأبي علي ٤/ ٩٧، و"تفسير الرازي" ١٥/ ٣٨.
(٤) انظر: "العين" ٢/ ٩٣، و"الجمهرة" ٢/ ٦٩٢، و"الصحاح" ٢/ ٧٣٧، و"المجمل" ٣/ ٦٥٤، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٢٥٣، و"المفردات" ص ٥٥٥، و"اللسان" ٥/ ٢٨٥٤ (عذر).
(٥) في (ب): (وقيل).
(٦) لفظ: (وعذرة) ساقط من (ب).
(٧) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٦٥ (عذر).
(٨) لم أقف عليه.
(٩) في النسخ عند قوله: "قل لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ "، وهو تحريف وفي سورة التوبة قال الله تعالى: قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ [التوبة: ٩٤].
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ الآية [التوبة: ٦٦].
وقال ابن الأعرابي: (يقال: لي في هذا الأمر عُذر وعذرى ومعذرة، أي: خروج من الذنب) (١).
قال أبو علي: (لم يريدوا أن يعتذروا عذرًا مستأنفًا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا؟ فقالوا: مَعْذِرَةً أي: موعظتنا معذرة (٢)، ومن نصب مَعْذِرَةً (٣) فقال سيبويه (٤): "لو قال رجل لرجل: معذرةً إلى الله، وإليك من كذا وكذا لنصب (٥) ") (٦).
قال الزجاج (٧): (المعنى: نعتذر معذرةً).
(٢) هذا قول سيبويه في "الكتاب" ١/ ٣٢٠، وحكاه الفارسي في "الحجة" عنه أيضًا ٤/ ٩٨، وهذا التوجيه على قراءة الرفع عندهما.
(٣) قرأ حفص عن عاصم: مَعْذِرَةً بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، انظر: "السبعة" ص ٢٩٦، و"المبسوط" ص ١٨٦، و"التذكرة" ٢/ ٤٢٧، و"التيسير" ص ١١٤، و"النشر" ٢/ ٢٧٢.
(٤) "الكتاب" ١/ ٣٢٠، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري ٢/ ٦٦٨.
(٥) في (ب): (وكذا النصب)، وهو تحريف.
(٦) "الحجة" لأبي علي ٤/ ٩٨، وعليه قراءة الرفع خبر لمبتدأ مضمر أي: موعظتنا معذرة، وعلى قراءة النصب مفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة، أو على المصدر أي: نعتذر معذرة، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٢٧، و"إعراب القراءات" ١/ ٤١٠، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٦٦، و"الحجة" لابن زنجلة ص ٣٠٠، و"الكشف" ١/ ٤٨١، و"الدر المصون" ٥/ ٤٩٥.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٦، وفيه قال: (ويجوز النصب على معنى يعتذرون معذرة) وانظر: "معاني الفراء" ١/ ٣٩٨، و"تفسير الطبري" ٩/ ٩٣، و"إعراب النحاس" ١/ ٦٤٥، و"تفسير المشكل" ١/ ٣٠٤، و"البيان" ١/ ٣٧٦، و"التبيان" ١/ ٣٩٤، و"الفريد" ٢/ ٣٧٦.
وقوله تعالى: وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. أي: جائز عندنا أن ينتفعوا بالمعذرة فيتقوا الله ويتركوا العَدْو (١).
وقال بعضهم (٢): (وكانوا فرقتين: فرقة نهت عن السوء، وفرقة عملت بالسوء)، وهذا قول الكلبي (٣)، وحكاه الزجاج (٤)، وعلى هذا فالذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ الفرقة المعتدية.
قال الكلبي: (المعتدية نحو من سبعين ألفًا أتاهم طوائف نحو من اثني عشر ألفًا، وهم الذين كرهوا الصيد في السبت، وقالوا: انتهوا قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسًا عاجلًا إن لم تنتهوا، فقالوا لهم: فلم تعظوننا إذًا إن كنتم قد علمتم أن الله منزل بنا عذابه) (٥).
والقول الأول (٦) أصح؛ لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ خطابًا من الناهية المعتدية لقالوا: ولعلكم (٧) تتقون.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٩٢ بسند جيد عن ابن زيد، وانظر: "تفسير السمرقندي" ٢/ ٥٧٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٣٩، وحكاه الطبري في "تفسيره" ٩/ ٩٢، وهود الهواري ٢/ ٥٣ - ٥٤ عن الكلبي.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٦.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٣ - ١٤، والبغوي ٣/ ٢٩٣، والقرطبي ٧/ ٣٠٧.
(٦) هذا قول الثعلبي ٦/ ١٤ أ، ونقله الرازي في "تفسيره" ١٥/ ٣٩، عن الواحدي، واختاره ابن عطية ٦/ ١١٧، والخازن ٢/ ٣٠٣، وقال القرطبي ٧/ ٣٠٧: "القول الأول قول جمهور المفسرين وهو الظاهر من الضمائر في الآية) اهـ.
(٧) في (ب): (ولعلهم).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي