تفسير المفردات : الخلف : بسكون اللام يستعمل في الأشرار، وبالتحريك، في الأخيار، والكتاب : التوراة، والعرض بالتحريك : متاع الدنيا وحطامها، والأدنى : أي الشيء الأدنى والمراد به الدنيا، ودرسوا ما فيه : أي قرؤوه فهم ذاكرون له.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه قبائح طائفة من اليهود وذكر عقابهم على ذلك بالمسخ قردة، ذكر هنا أنه كتب على اليهود جميعا الذلة والصغار إلى يوم القيامة عقابا على أفعالهم، وهذه سنة الله في عقاب الأمم التي تفسق عن أمره وتخالف أوامر دينه، وهي كما تنطبق على اليهود تنطبق على غيرهم من الأمم التي لا ترعوي عن غيها، بل تتمادى في فجورها وطغيانها وتسير قدما في غوايتها وضلالها.
الإيضاح : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه أي نبتت من أولئك الذين منهم الصالح والطالح نابتة ورثوا التوراة : أي وقفوا على ما فيها وكانوا عالمين بأحكامها بعد أسلافهم والحال أنهم يؤثرون حطام الدنيا ومتاعها بما يأكلونه من السحت والرشا والإتجار بالدين والمحاباة في الحكم، ويقولون سيغفر لنا ولا يؤاخذنا بما فعلنا، فإننا أبناء الله وأحباؤه وسلائل أنبيائه وشعبه الذي اصطفاه من سائر البشر إلى نحو ذلك من الأماني والأضاليل، وهم والغون في خطاياهم مصرّون على ذنوبهم، فإن يأتهم عرض آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل يأخذوه ولا يتعففوا عنه وهم يعلمون أن الله إنما وعد بالمغفرة التائبين الذين يقلِعون عن ذنبهم ندما وخوفا من ربهم ويصلحون ما كانوا قد أفسدوا.
ثم رد الله عليهم ما زعموه بقولهم : سيغفر لنا، وهم مقيمون على ظلمهم وفسادهم وحبهم للدنيا فقال :
ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه أي وقد أخذ الله العهد والميثاق عليهم في كتابه ألا يقولوا عليه غير الحق الذي بينه فيه، فمنعهم من تحريفه وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشا، وهم قد درسوا الكتاب وفهموا ما فيه فهم ذاكرون لما أخذ عليهم من تحريم أكل أموال الناس بالباطل والكذب على الله إلى نحو أولئك.
والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون أي والدار الآخرة وما فيها من نعيم للذين يتقون المعاصي ما ظهر منها وما بطن خير من حطام الدنيا الفاني الذي يؤخذ بالرشا والسحت وغير ذلك، أفلا تعقلون ذلك وهو واضح لا يخفى على كل ذي عقل لم تطمسه الشهوات، ولم يعم بصيرته حطام الدنيا العاجل، وبذا يرجح الخير على الشر والنعيم المقيم على المتاع الزائل.
وفي هذا إيماء إلى أن الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد على بني إسرائيل أمرهم، واستحوذ عليهم حب العاجلة فأذهب عنهم رشدهم.
وفي هذا عبرة للمسلمين الذين سرى إليهم كثير من هذا الفساد وغلب عليهم الطمع وحب الدنيا وعرضها الزائل وهم قد درسوا كتابهم الكريم، لكن التحلي بلقب الإسلام والتعلل بأماني المغفرة مع الإصرار على الذنوب اتكالا على الشفاعات والمكفرات هو الذي غرهم وجعلهم يتمادون في غيهم وكتابهم ينهاهم عن الأماني والأوهام وكون الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله لمن رضي كما قال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [ الأنبياء : ٢٨ ].
تفسير المراغي
المراغي