ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ المراد بهم : أولاد الذين قطعهم الله في الأرض. قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام : الأولاد، الواحد والجمع سواء. والخلف بفتح اللام البدل ولداً كان أو غيره. وقال ابن الأعرابي : الخلف بالفتح الصالح، وبالسكون الطالح. قال لبيد :

ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ومنه قيل للرديء من الكلام خلف بالسكون، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومنه قول حسان ابن ثابت :
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأوّلنا في طاعة الله تابع
وَرِثُواْ الكتاب أي : التوراة من أسلافهم يقرءونها ولا يعملون بها يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدّة حرصهم وقوّة نهمتهم، والأدنى : مأخوذ من الدنوّ، وهو القرب، أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى، وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشاء، وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وكتمهم لما يكتمونه منها. وقيل : إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط، أي إنهم يأخذون عرض الشيء الدنيء السابق وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا أي : يعللون أنفسهم بالمغفرة، مع تماديهم في الضلالة، وعدم رجوعهم إلى الحق. وجملة يَأْخُذُونَ يحتمل أن تكون مستأنفة لبيان حالهم، أو في محل نصب على الحال. وجملة يَقُولُونَ معطوفة عليها، والمراد بهذا الكلام : التقريع والتوبيخ لهم، وجملة وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ في محل نصب على الحال : أي يتعللون بالمغفرة، والحال أنهم إذا أتاهم عرض مثل العرض الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة، ولا خائفين من التبعة. وقيل : الضمير في يَأْتِهِمْ ليهود المدينة : أي وإن يأت هؤلاء اليهود الذين هم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم عرض مثل العرض الذي كان يأخذه أسلافهم، أخذوه كما أخذه أسلافهم أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب أي : التوراة أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقّ والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وجملة وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ معطوفة على يُؤْخَذْ على المعنى، وقيل : على وَرِثُواْ الكتاب ، والأولى : أن تكون في محل نصب على الحال بتقدير قد. والمعنى : أنهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب، والحال أن قد درسوا ما في الكتاب وعلموه، فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل، وذلك أشدّ ذنباً وأعظم جرماً. وقيل : معنى دَرَسُوا مَا فِيهِ أي : محوه بترك العمل به والفهم له، من قولهم درست الريح الآثار : إذا محتها. والدار الآخرة خَيْرٌ من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ الله، ويجتنبون معاصيه أَفَلاَ تَعْقِلُونَ فتعلمون بهذا وتفهمونه، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله : يَسُومُهُمْ سُوء العذاب قال محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب : الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، قال سُوء العذاب الخراج. وفي قوله : وقطعناهم قال : هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس منها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ قال : على اليهود والنصارى إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يأخذون منهم الجزية، وهم صاغرون وقطعناهم فِي الأرض أُمَمًا قال : يهود مّنْهُمُ الصالحون وهم مسلمة أهل الكتاب وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك قال : اليهود وبلوناهم بالحسنات قال : الرخاء والعافية والسيئات قال : البلاء والعقوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس وبلوناهم بالحسنات والسيئات بالخصب والجدب.
وأخرج أبو الشيخ عنه، أنه سئل عن هذه الآية فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى قال : أقوام يقبلون على الدنيا، فيأكلونها، ويتبعون رخص القرآن وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ قال : النصارى يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى قال : ما أشرف لهم من شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه، ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا الغد مثله يأخذوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآية يقول : يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا .
وخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي زيد، في قوله : وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ قال : علموا ما في الكتاب، لم يأتوه بجهالة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله : والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب قال : هي لأهل الإيمان منهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب قال : من اليهود والنصارى.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية