ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب كان بعض العلماء يقول :( الخلف ) بفتح اللام هم من يخلفون من قبلهم خلافة حسنة. و( الخلف ) بسكون اللام هم الذين يخلفون من كان قلبهم بسوء. وهذا اصطلاح أغلبي ؛ لأن ( الخلف ) ربما أطلق في خلف سيء. و ( الخلف ) بالسكون ربما اطلق في خلف صالح، ومنه قول حسان :

لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع
وقوله : فخلف من بعدهم أي : من بعد هؤلاء الذين قطعناهم وجعلنا منهم الصالحين خلف من بعدهم خلف من ذرياتهم من اليهود ورثوا الكتاب معنى وراثتهم للكتاب : أن التوراة بقيت عندهم ورثوها عن أسلافهم فصارت التوراة لديهم، وصاروا عياذا بالله يغيرون أحكامها. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يعني : خلف من بعد أولئك خلف من ذرياتهم من اليهود ورثوا الكتاب، معناها : بقي كتاب الله التوراة في أيديهم وراثة عن أسلافهم. وكان هذا الخلف خلفا خبيثا يأكلوا الرشا ويبيعون حكم الله بأعراض الدنيا –والعياذ بالله- فعابهم الله هنا بذلك ؛ ولذا قال : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب معنى : ورثوا الكتاب ورثوا التوراة عن أسلافهم فبقي عندهم، وهو كتاب الله الذي كتب فيه العقائد والحلال والحرام وتفصيل كل شيء يحتاج إليه.
يأخذون عرض هذا الأدنى والعياذ بالله إذا عرض لهم عرض من حطام الدنيا. العرض : المراد به الشيء الزائل ؛ لأنه عارض زائل مضمحل.
وقوله : هذا الأدنى إشارة إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل القليل الذي لا جدوى فيه يأخذون عرض هذا الأدنى يستعيضونه عما في كتاب الله ؛ لأنهم يأكلون الرشا ويغيرون الأحكام.
وبعض العلماء يقول : الخلف المذكرون هم اليهود الذين كانوا موجودين في زمن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، عندهم التوراة فيها صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ العهود المواثيق عليهم باتباعه فكتموه وغيروا صفاته وبدلوها، حتى أنهم يجدون في التوراة عنهم أنه ( ربعة ) يعني : متوسط القامة، فيكتبون : طويلا مشذبا. وكل وصف يحرفونه ويغيرونه، يأخذون قراطيس يكتبونها عندهم محرفة كما تقدم في الأنعام في قوله : تجعلونه قراطيس تبدونها وتحفون كثيرا [ الأنعام : آية ٩١ ] يقولون : إنهم كان إذا تخاصم إليهم اثنان وأعطاهم صاحب الحق رشوة حكموا له بكتاب الله التوراة، فإذا أعطاهم المبطل الرشوة تركوا التوراة وجاؤوا بالكتب التي كتبوها بأيديهم، التي قال الله عنها : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ٧٩ [ البقرة : آية ٧٩ ] يأتون بالكتاب الذي كتبوه ويحكمون له به بدل الرشوة. ومما ذكر العلماء أنهم كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم لعرض زائل من أعراض الدنيا ؛ لأنهم كانوا يأكلون بالرئاسة الدينية، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم لو أخبروا بأنه نبي الله لزالت عنهم الرئاسة الدنية فضاع المأكل الذي كانوا يأكلون بها، فكتموا وغيروا صفاته حرصا على ما كانوا يتعاطونه برئاستهم الدينية –قبحهم الله- هذا معنى قوله : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى .
العرض : حطام الدنيا الزائل، سمي عرضا لأنه شيء عارض لا بقاء له. والإشارة في قوله : هذا إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل. و الأدنى لدنوه أو لدناءته ورذالته وعدم أهميته. يعني : يأخذون هذا العرض معتاضين منه العمل بكتاب الله وتحقيق ما أنزل الله، فهم يأكلون الرشا ليغيروا أحكام الله ولا يقيموا حكمه في كتابه والعياذ بالله.
وهذه الآية وإن كانت في اليهود فكل من فعل فعلهم فهو أخوهم يناله من وعيدها وعذابها ما نالهم. فيجب على المسلم إذا كان في منصب يوصل فيه الحق لصاحبه بإنابة من بسط الله يده ألا يغير أحكام الله ويأخذ الرشا بدلا منها، فإنه إن أخذ الرشوة وغير وبدل فهو أخو اليهود، وهو من هذا الخلف السيء القبيح. وأقبح شيء يأكله الإنسان هو الرشا وما جرى مجراها من أنواع السحت ؛ لأن السارق خير من المرتشي، لا شك أن السارق أخف شرا من المرتشي ؛ لأن السارق يأخذ مال الناس بغير حق مع أنه عالم أن فعله خسيس وأنه خبيث، ولا يدعي أبدا أن فعله طيب، بخلاف المرتشي –قبحه الله- فإنه يأكل مال الناس بالباطل وهو يزعم أن هذا دين الله وشرعه الذي أنزل به رسله –والعياذ بالله- فمن أقبح المآكل وأخسها الرشا.
وأعظم أنواع الرشا خطرا ارتشاء القاضي الذي هو منصوب ليحكم بين الناس بما أنزل الله، فإذا ترك ما أنزل الله وتعوض عنه عرض هذا الأدنى –والعياذ بالله- فهو أخس خلق الله، والسارق قد يكون أخف شرا منه ؛ لأن السارق هو سارق، ولا يدعي سرقته، ولا يجعلها على الله، ولا على رسوله، ولا يقول : الله أمرني أن أسرق. بخلاف القاضي المرتشي فإنه يزعم أن الله أمره بهذا القضاء، وأن هذا حكم الله، وهو سارق شر سرقة.
وكذلك كل من كان في مصلحة –ولو غير قضاء- جعله فيها ولي أمر المسلمين، وأعطاه ماهية شهرية يتقاضاها، فإنه لا يحوز له أن يعطل حقوق الناس ويقول لهم : بكرة، وبعد بكرة، إلى ألف بكرة ! ! ليرتشي منهم. فإن هذا أمر خسيس قبيح، وفاعله أخو اليهود، لا خير فيه ألبتة، فلا دين له ولا مروءة.
فيجب على المسلمين أن ينزهوا ضمائرهم، وأن يكونوا أمة -ناسا- كالرجال، ولا ينحطوا أمام هذه المطامع الخسيسة المدنسة المحزنة، لأنه رب أكلة قبيحة أعقبت صاحبها شرا عظيما. ألا ترون إلى هؤلاء القوم من اليهود أكلوا سمكا فانظروا ما أعقبتهم هذه الأكلة من الوبال، صاروا قردة –والعياذ بالله- فهذه الآية وإن كانت في اليهود فكل من أخذ بشيء منها فهو أخو اليهود بقدر ما أخذ منها، وسيناله من الوعيد بقدر ما أخذ منه. وهذا معنى قوله : يأخذون عرض هذا الأدنى أي : هذا المتاع والحطام الزائل الأدنى القريب العاجل. أو ( الأدنى ) لدناءته ورذالته، ومع هذا هم يأكلون الرشا ويغيرون أحكام الله، ويدعون على الله أنه يغفر لهم هذه الذنوب ! ! فهذا من الجراءة والجهل وطمس البصائر لا يعلمه إلا الله.
ويقولون سيغفر لنا سيغفر الله لنا أكلنا لهذه الرشا وتبديلنا لهذه الأحكام. وهذا هو الذي جاء فيه :( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) أتبع نفسه هواها فأكل الرشا، وتمنى على الله أن يغفر له وهو مصر على أكله الرشا وتعوضه حطام هذه الدنيا وعرضها الزائل من أحاكم الله ؛ ولذا قال : وإن يأتيهم عرض مثله يأخذونه [ الأعراف : آية ١٦٩ ] وإن أصابوا عرضا آخر زائلا من الدنيا أخذوه وأكلوه، ومع هذا يزعمون أن الله يغفر لهم ! ! وهذا هو الغرور، فإذا رأيت المسلم أو من يدعي أنه مسلم ينتهك حرمات الله ويصر ويثق بالمغفرة فاعلم أنه مغرور، وأنه أخو اليهود، ولا يغفر الله له. وهذا معنى قوله : وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه .
ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب الميثاق : معناه العهد المؤكد، فكل ميثاق عهد، وليس كل عهد ميثاقا ؛ لأن العهد لا يسمى ميثاقا إلا إذا كان مؤكدا خاصة. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن كل فعل مضارع مجزوم ب( لم ) إذا تقدمته همزة الاستفهام قبلها ( لم ) كقوله هنا : ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن فيه وجهين معروفين من التفسير في جميع القرآن :
أحدهما : أنه تنقلب مضارعته ماضوية، وينقلب نفيه إثباتا. فيكون معنى هذا المضارع المنفي ب( لم ) ماضيا مثبتا، فيكون معنى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب : أخذ عليهم ميثاق الكتاب. ألم نجعل له عينين ٨ [ البلد : آية ٨ ] : جعلنا له عينين ألم نشرح لك صدرك ١ [ الشرح : آية ١ ] : شرحنا لك صدرك. وهكذا. ووجه هذا :
أما وجه قلب مضارعته ماضوية فلا إشكالا فيه ؛ لأن ( لم ) حرف قلب يقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، وهذا لا إشكال فيه.
أما قلب نفيه إثباتا فهو يحتاج إلى نظر. وقال بعض العلماء : وجه صيرورة نفيه إثباتا : أن ( لم ) حرف نفي صريح، وأن الهمزة التي قبلها همزة استفهام إنكار، والإنكار مضمن معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن في الهمزة على النفي الصريح في لم ) فينفيه، ونفي إثبات، فيؤول إلى معنى الإثبات. وهذا وجه في التفسير في جميع القرآن في كل ما جاء فيه ( ألم ).
الوجه الثاني : أن الاستفهام لا يردا به أصل الاستفهام وإنما يراد به حمل المخاطب على أن يقر فيقول : بلى. وهو المعروف في فن المعاني باستفهام التقرير. والمعنى : أن المراد : ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن يقولوا : بلى أخذ علينا ميثاق الكتاب.
وقوله : أن لا يقولوا على الله أخذ عليهم العهد المؤكد أن لا يقولوا على الله شيئا إلا الشيء الحق، فلا يقولون : إن الحكم هكذا. وهو باطل ليتعوضوا الرشا ويأخذوا عرض هذا الأدنى.
ودرسوا ما فيه أي : في الكتاب الذي هو التوراة، درسوه : معناه تعلموه، وفهموا معانيه وعلموا أنه لا يجوز تغير أحكام الله واستعاضة الرشا منها.
ثم قال تعالى : والدار الآخرة هي دار القيامة خير من حطام الدنيا وعرض هذا الأدنى الذي أخذوه خير للذين يتقون يتقون الله جل وعلا : أفلا تعقلون وقرئ : أفلا يعقلون [ الأعراف : آية ١٦٩ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير