١٧٠ - وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ، يقال: مسَّكت (١) بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت به (٢)، وروى أبو بكر عن عاصم (٣) يُمْسِكُونَ مخففه، وحجته قوله: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (٤) [الأحزاب: ٣٧]، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٥) [المائدة: ٤]، والتشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة، وهاهنا أريد به الكثرة لأنه قال في موضع آخر: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران: ١١٩]. والإيمان بكل الكتاب يوجب التمسك الذي هو للكثرة (٦)، ولأنه يقال: أمسكته، وقيل ما يقال: أمسكت به (٧).
ويقال: أمسكت عنه كذا أي: منعته، انظر: "العين" ٥/ ٣١٨، و"الجمهرة" ٢/ ٨٥٥، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٩٦، و"الصحاح" ٤/ ١٦٠٨، و"المجمل" ٣/ ٨٣٠، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٣٢٠، و"المفردات" ص ٧٦٨، و"اللسان" ٧/ ٤٢٠٣ (مسك).
(٢) لفظ: (به) ساقط من (أ).
(٣) قرأ: أبو بكر عن عاصم يُمَسِّكُونَ بسكون الميم وتخفيف السين، وقرأ الباقون بفتح الميم وتشديد السين، انظر: "السبعة" ص ٢٩٧، و"المبسوط" ص ١٨٦، و"التذكرة" ٢/ ٤٢٨، و"التيسير" ص ١١٤، و"النشر" ٢/ ٢٧٣.
(٤) لفظ: (زَوْجَك) ساقط من (أ).
(٥) في (أ): (وكلوا)، وكذا في "الحجة" لأبي علي ٤/ ١٠٣٦، وفي (ب): (كلوا)، وهو تحريف.
(٦) في (ب): (الذي هو الكثرة).
(٧) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ١٠٣ - ١٠٤، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٢٩، و"إعراب القراءات" ١/ ٢١٤، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٦٦، ولابن زنجلة ص ٣٠١، و"الكشف" ١/ ٤٨٢.
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أمة محمد - ﷺ -) (١).
وقال عامة المفسرين (٢): (نزلت في مؤمني أهل الكتاب). فعلى قول عطاء المراد بالكتاب: القرآن، وعلى قول المفسرين المراد به: التوراة، وأما معنى التمسك بالكتاب؛ فقال الفراء (٣): (معناه (٤): يأخذون بما فيه). وقال الزجاج: (أي: يؤمنون به ويحكمون بما فيه (٥). وقال غيره: (التمسك بالكتاب ارتباط به على ما بيّن فيه، كالقابض على الشيء الذي يرجو النجاة من قبله والفوز من جهته) (٦).
وقوله تعالى: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ. إنما ذكرت الصَّلَاةَ مع دخولها في التمسك بالكتاب للبيان عن جلالة موقعها، وعظم منزلتها في طاعة الله، وأنها من أوكد الأمور التي يجب المحافظة عليها (٧)، واختلف النحويون (٨) في إعراب الآية، فقال قوم: هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والتقدير:
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" ١/ ٢٤٩، وأخرجه الطبري ٩/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٩، من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد وهو اختيار السمرقندي ١/ ٢٧٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٢، والقرطبي ٧/ ٢١، والخازن ٢/ ٣٠٦.
(٣) "معاني الفراء" ١/ ٣٩٩.
(٤) في (ب): (معناه يحكمون يأخذون بما فيه).
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٩، ومثله قال الأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٩٧ (مسك).
(٦) قال الطبري ٩/ ١٠٨ في معنى الآية: (الذي يعملون بما في كتاب الله)، وانظر: "معاني النحاس" ٣/ ١٠٠، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٢٧٩.
(٧) انظر: "تفسير الرازي" ١٥/ ٤٥، والخازن ٢/ ٣٠٦، و"البحر" ٤/ ٤١٧.
(٨) انظر: "الكشاف" ٢/ ١٢٨، وابن عطية ٦/ ١٢٩، والرازي ١٥/ ٤٥.
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ، وقال الأكثرون منهم: وَالَّذِينَ مبتدأ، ثم اختلفوا في خبره، فقال قوم (١): خبره محذوف تقديره: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ نعطيهم أجرهم، ودل على هذا المحذوف قوله: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ؛ [لأن فيه معنى التعليل فكان في ذكر العلة ما يغني عن المعلول.
وقال الزجاج: (الذي أختار أن يكون التقدير: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ] (٢) منهم) (٣)، فعلى هذا الخبر قوله: إِنَّا، والعائد إلى المبتدأ محذوف وهو (منهم).
قال ابن الأنباري: (وخص الْمُصْلِحِينَ بأن وعدهم حفظ الأجر إذ كان منهم من لم يُصلح فتكاملت آثامه بتضييعه وصايا ربه وإقدامه على تكذيب النبيين ودفع ما يقف على نعته من أمر محمد - ﷺ -).
قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين الراجع إلى المبتدأ قوله: الْمُصْلِحِينَ، وتلخيص المعنى: إنا لا نضيع أجرهم فأظهرت كنايتهم بالمصلحين كما يُقال: عليُّ لقيتُ الكسائي. وأبو سعيد رويت عن الخدري (٤)، يراد (٥): لقيته ورويتُ عنه، وأنشد:
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٨، وهو قول النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦٤٨ - ٦٤٩، ومكي في "المشكل" ١/ ٣٠٥.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) في (ب): (يقال لقيته)، وهو تحريف.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي