قوله : سَاء مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا هذه الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية : يقال ساء الشيء قبح، فهو لازم، وساءه يسوؤه مساءة : فهو متعد وهو من أفعال الذم : كبئس، وفاعله ضمير مستتر فيه، ومثلاً تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم هو الذين كذبوا بآياتنا، ولا بدّ من تقدير مضاف محذوف لأجل المطابقة أي : ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا.
وقال الأخفش : جعل المثل القوم مجازاً، والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ، التقدير : ساء المثل مثلاً هو مثل القوم، كذا قال. وقدره أبو علي الفارسي : ساء مثلاً مثل القوم كما قدّمنا. وقرأ الجحدري والأعمش سَاء مَثَلُ القوم . قوله : وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ أي : ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها. والجملة معطوفة على التي قبلها على معنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، في الآية قال : هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت : اجعل لي منها واحدة، قال : فلك واحدة فما الذي تريدين ؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل ؛ فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه، وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، في الآية : قال : هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وفي لفظ : نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الشعبي في هذه الآية قال : قال ابن عباس هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن باعوراء، وكانت الأنصار تقول : هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق. وكانت ثقيف تقول : هو أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : هو صيفي بن الراهب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، في قوله : فانسلخ مِنْهَا قال : نزع منه العلم، وفي قوله : وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا قال : رفعه الله بعلمه. وأخرج مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جابر بن عبد الله، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله، ثم يقول :" من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم يقول :" بعثت أنا والساعة كهاتين ".
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني