لَهَثَ، لِأَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ طَبِيعَةٌ أَصْلِيَّةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحَرِيصُ الضَّالُّ إِنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ، وَإِنْ لَمْ تَعِظْهُ فَهُوَ ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعة ذَاتِيَّةٌ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَحَلُّ قَوْلِهِ: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.
قُلْنَا: النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ذَلِيلًا لَاهِثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَعَمَّ بِهَذَا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ هَادِيًا يَهْدِيهِمْ وَدَاعِيًا يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّه، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَنْ لَا يَشُكُّونَ فِي صِدْقِهِ وَدِيَانَتِهِ فَكَذَّبُوهُ، فَحَصَلَ التَّمْثِيلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَلْبِ الَّذِي إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا لَمَّا تُرِكُوا وَلَمْ يَهْتَدُوا لَمَّا جَاءَهُمُ الرَّسُولُ فَبَقُوا عَلَى الضَّلَالِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ مِثْلَ هَذَا الْكَلْبِ الَّذِي بَقِيَ عَلَى اللَّهْثِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.
ثُمَّ قَالَ: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ يُرِيدُ قَصَصَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يُرِيدُ يتعظون.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٧]
ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ بَعْدَ تَمْثِيلِهِمْ بِالْكَلْبِ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ أَكَّدَهُ فِي بَابِ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ساءَ مَثَلًا وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ اللَّيْثُ: ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال: ساءت الشيء يسوء فهو سيء إِذَا قَبُحَ وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ مَسَاءَةً. قَالَ النَّحْوِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ سَاءَ مَثَلًا، مَثَلُ الْقَوْمِ انْتَصَبَ مَثَلًا عَلَى التَّمْيِيزِ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ سَاءَ جَازَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ سِوَى مَثَلًا، فَلَمَّا ذَكَرْتَ نَوْعًا، فَقَدْ مَيَّزْتَهُ مِنْ سَائِرِ/ الْأَنْوَاعِ وَقَوْلُكَ الْقَوْمُ ارْتِفَاعُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَيَكُونُ قَوْلُكَ سَاءَ مَثَلًا خَبَرُهُ وَالثَّانِي: أَنَّكَ لَمَّا قُلْتَ سَاءَ مَثَلًا. قِيلَ لَكَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتَ الْقَوْمُ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ: سَاءَ مَثَلُ الْقَوْمِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: ساءَ مَثَلًا يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ الْمَثَلِ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ هَذَا الْمَثَلَ ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وَأَيْضًا فَهُوَ يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ الْكُفْرِ وَالدَّعْوَةَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِالسُّوءِ مَا أَفَادَهُ الْمَثَلُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّه تَعَالَى وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهَا، حَتَّى صَارُوا فِي التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ اللَّاهِثِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: كَذَّبُوا فَيَدْخُلَ حِينَئِذٍ فِي حَيِّزِ الصِّلَةِ بِمَعْنَى الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللَّه وَظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُنْقَطِعًا عَنِ الصِّلَةِ بِمَعْنَى وَمَا ظَلَمُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ، فَهُوَ لِلِاخْتِصَاصِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَخَصُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالظُّلْمِ وَمَا تَعَدَّى أَثَرُ ذَلِكَ الظُّلْمِ عنهم إلى غيرهم.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٨]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)
المسألة الأولى: [في أن الهداية من اللَّه، وأن الضلال من اللَّه تعالى] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الضَّالِّينَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَعَرَّفَ حَالَهُمْ بِالْمَثَلِ الْمَذْكُورِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ اللَّه، وَأَنَّ الضلال مِنَ اللَّه تَعَالَى، وَعِنْدَ هَذِهِ اضْطَرَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَذَكَرُوا فِي التَّأْوِيلِ وُجُوهًا كَثِيرَةً: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُهْتَدِي فِي الدُّنْيَا، السَّالِكُ طَرِيقَةَ الرُّشْدِ فِيمَا كُلِّفَ، فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي إِلَى الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَنْ هَذَا وَصْفُهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ فِي الْآيَةِ حَذْفًا، وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَقَبِلَ وَتَمَسَّكَ بِهُدَاهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضَلِلْ بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْخَاسِرُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا فَهُوَ الْمُهْتَدِي، لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْمَدْحِ وَمَدْحُ اللَّه لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَمْدُوحِ، وَمَنْ يُضْلِلْ أَيْ وَمَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِكَوْنِهِ ضَالًّا فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه بِالْأَلْطَافِ وَزِيَادَةِ الْهُدَى/ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ عَنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ مِنْ سُوءِ اخْتِيَارِهِ، فَأُخْرِجَ لِهَذَا السَّبَبِ بِتِلْكَ الْأَلْطَافِ مِنْ أَنْ يُؤَثَّرَ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ الْقَاطِعَةَ، قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مِنَ اللَّه مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الدَّاعِي وَحُصُولُ الدَّاعِي لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّه فَالْفِعْلُ لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّه.
الثَّانِي: أَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّه مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّه مِنْهُ الْإِيمَانَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكُفْرِ وَبِالضِّدِّ. الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقْصِدُ حُصُولَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا حَصَلَ الْكُفْرُ عَقِيبَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ:
أَمَّا التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ عَلَى الْهِدَايَةِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَقَوْلَهُ:
فَهُوَ الْمُهْتَدِي عَلَى الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ رَكَاكَةً فِي النَّظْمِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْهِدَايَةُ وَالِاهْتِدَاءُ رَاجِعَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، حَتَّى يَكُونَ الْكَلَامُ حَسَنَ النَّظْمِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ الْتِزَامٌ لِإِضْمَارِ زَائِدٍ، وَهُوَ خِلَافُ اللَّفْظِ، وَلَوْ جَازَ فَتْحُ بَابِ أمثال هذه الإضمارات لا نقلب النَّفْيُ إِثْبَاتًا وَالْإِثْبَاتُ نَفْيًا، وَيَخْرُجُ كَلَامُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُضْمِرَ فِي الْآيَةِ مَا يَشَاءُ، وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الْكُلُّ عَنِ الْإِفَادَةِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فُلَانٌ هَدَى فُلَانًا لَا يُفِيدُ فِي اللُّغَةِ الْبَتَّةَ أَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا، وَقِيَاسُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ فُلَانٌ ضَلَّلَ فُلَانًا وَكَفَّرَهُ، قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَأَنَّهُ فِي نِهَايَةِ الْفَسَادِ وَالرَّابِعُ: أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي مَقْدُورِ اللَّه تَعَالَى مِنَ الْأَلْطَافِ، فَقَدْ فَعَلَهُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِعِيدٌ. واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: فَهُوَ الْمُهْتَدِي يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَجُوزُ حَذْفُهَا طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَمَا قِيلَ فِي بَيْتِ الْكِتَابِ:
| فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي فِي يَعْمَلَاتٍ | دَوَامِي الْأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا |
| كخوف رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ | مَسَحَتْ بِمَاءِ الْبَيْنِ عَطْفَ الْأَثْمَدِ |
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي