ثم ذكر ضدهم، فقال :
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
قلت : أصل الاستدراج : الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومعناه : نسوقهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا.
يقول الحقّ جلّ جلاله : والذين كذَّبوا بآياتنا ، وألحدوا في أسمائنا، سَنَسْتَدْرِجُهُم أي : ندرجهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا، من حيث لا يعلمون ما نريد بهم، وذلك أَن تتواتر النعم عليهم، فيظنوا أنها لطفٌ من الله بهم، فيزدادوا بطرًا وانهماكًا في الغي، حتى تحق عليه كلمة العذاب.
قال في الحكم :" خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه، أن يكون ذلك استدراجًا لك ؛ سَنَسْتَدرِجُهُم من حيث لا يعلمون ". وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنه : نمدهم بالنعم، وننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم : أُخذوا.
وقال ابن عطاء رضي الله عنه : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه : الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال : من أمارات الاستدراج : ركوب السيئة والاغترار بزمن المُهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى : سَنَسْتدرِجُهُم من حيث لا يعلمون أي : لا يشعرون بذلك، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء، وليسوا كذلك، يستدرجهم في ذلك شيئًا فشيئًا، حتى يأخذهم بغتة، كما قال تعالى : فلما نسوا ما ذُكروا به ؛ إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم، بعدما رأوا من الشدة، فتحنا عليهم أبواب كل شيء أي : فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب الرفاهية، حتى إذا فرحوا بما أُوتوا من الحظوظ الدنيوية، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا، أخذناهم بغتة أي : فجأة، فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ [ الأنعَام : ٤٤ ] ؛ آيسون قانطون من الرحمة. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي