يقول الله جل وعلا : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ١٨٢ وأملي لهم إن كيدي متين ١٨٣ [ الأعراف : آيتان ١٨٢، ١٨٣ ].
بين الله ( جل وعلا ) في هذه الآية أنه سيستدرج الكافرين فيغذق عليهم نعمه وهم يصرون على الكفر به، حتى تبطرهم النعم وتتزايد غفلتهم، فيستمروا على ذلك حتى تنتهي آجالهم فيأخذهم الله ( جل وعلا ) في غفلتهم بعذابه وإهلاكهم ثم يصيرون إلى النار.
والذين كذبوا بآياتنا : في محل مبتدأ والخبر جملة سنستدرجهم من حيث لا يعلمون والتكذيب : الجحود والإنكار.
والآيات : جمع آية وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا : أن للآية في لغة العرب إطلاقين عربيين مشهورين، وأن لها في القرآن إطلاقين أيضا.
قال علماء التصريف : التحقيق في الآية أن أصلها :( أيية )، ووزنها :( فعلة ) فهمزتها : فاء، وعينها : ياء، ولامها : ياء، والياءان المفتوحتان بعد الهمزة قد اجتمع فيهما موجبا إعلال، والمقرر في فن التصريف : أنه إن اجتمع موجبا إعلال كان الاعلال في الأخير، إلا أنه ربما وقع الإعلال في الأول كما هنا، فأعلوا الياء الأولى وأبدلوها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ؛ ولو جرى على الأغلب في اللغة، لكان الإعلال في الياء الأخيرة وقيل فيها :( أياه ) ؛ وهنا أعلت الياء الأولى فأبدلت ألفا فقيل : آية.
والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، أشهر إطلاقيها : أن تطلق الآية على العلامة، تقول العرب : آية كذا، أي : علامته، إن آية ملكه أي : علامة ملكه أن يأتيكم التابوت [ البقرة : آية ٢٤٨ ] فالآية : العلامة ؛ وقد جاء في شعر نابغة ذبيان –وهو جاهلي- تفسير الآية بالعلامة حيث قال :
| توهمت آيات لها فعرفتها | لستة أعوام وذا العام سابع |
| رماد ككحل العين لأيا أبينه | ونؤي كجذم الحوض أثله خاشع |
الإطلاق الثاني : وهو أن العرب تطلق الآية وتريد بها الجماعة، يقولون :( جاء بنو فلان بآيتهم ) أي : بجماعتهم جميعا وهو إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول برج بن مسه : ر
| خرجنا من النقبين لا حي مثلنا | بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا |
والآية في القرآن تطلق إطلاقين : تطلق الآية على الآية الكونية القدرية، وهي من الآية معنى : العلامة، وهي ما نصبه الله ( جل وعلا ) من آياته جاعلا لها علامات على كمال قدرته، وأنه الرب وحده، المعبود وحده، كقوله : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات... [ آل عمران : آية ١٩٠ ] أي : لعلامات ودلالات واضحات على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده.
الإطلاق الثاني : تطلق الآية في القرآن على الآية الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، وهو المراد هنا.
والآية الشرعية الدينية قال بعض العلماء : هي من العلامة أيضا ؛ لأنها علامة على صدق من جاء بها، لما تضمنته من الإعجاز، أو لأن فيها علامات تعرف بها مبادئها ومقاطعها.
وقال بعض أهل العلم : الآية الشرعية من الآية بمعنى الجماعة، لأنها جماعة من كلمات القرآن مشتملة على بعض ما اشتمل عليه القرآن من الإعجاز والحلال والحرام والعقائد، وهذا معنى قوله : والذين كذبوا بآياتنا ككفار مكة وكل من كذب بآيات الله سنستدرجهم من حيث لا يعلمون هذا وعيد الله. والسين حرف تنفيس، وقوله : سنستدرجهم أصله، ( نستفعلهم ) ومنه : الاستدراج، والاستدراج : استفعال من الدرجة، والدرجة : واحدة طبقات السلم على أصح الأقوال. والمعنى : أنه يستنزلهم درجة درجة ومرتبة مرتبة، حتى يدنيهم إلى ما يشاء من إهلاكهم. فالعرب تقول :( استدرجه ) إذا أنزله درجة درجة إلى أن وصل إلى ما قصده منه، أو استعلاه درجة درجة ؛ وهذا معروف في كلام العرب أن الاستدراج هو الاستنزال درجة بعد درجة حتى يصل الإنسان إلى السوء الذي يراد منه ؛ لأن الكفار أراد الله ( جل وعلا ) أن يهلكهم بعذابه المستأصل ويدخلهم النار لما كذبوا بآياته. فمعنى استدراجه لهم : أنه يرسل عليهم هذه النعمة فيكثر خصب بلادهم وأرزاقهم وعافيتهم، وتلد نساؤهم ذكورا، وتتزايد عليهم وتتواتر، فعند ذلك يزدادون بطرا وكفرا فيقربون من الهلاك درجة، ثم إن الله ( جل وعلا ) يغدق عليهم نعما أخرى فتزيدهم بطرا إلى بطرهم، وكفرا إلى كفرهم، وغفلة إلى غفلتهم، فيقربون درجة أخرى إلى هلاكهم، حتى إذا انتهت تلك الدرجات التي يستدنيهم الله فيها لما يريد منهم : جاءهم عذاب الله فأهلكم وصاروا منه إلى الخلود في النار، كما قال ( جل وعلا ) : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مسلمون ٤٤ [ الأنعام : آية ٤٤ ] والعرب تعرف الاستدراج في لغتها وأنه تقريب الشيء درجة درجة إلى ما يراد منه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
| لئن كنت في جب ثمانين قامة | ورقيت أسباب السماء بسلم |
| ليستدرجنك القول حتى تهره | وتعلم أني عنكم غير مفحم |
| وتشرق بالأمر الذي قد أذعته | كما شرقت صدر لقناة من الدم |
من حيث لا يعلمون وقد قدمنا أن ( حيث ) كلمة تدل على المكان كما تدل ( حين ) على الزمان، وربما ضمنت معنى الشرط، يجوز في اللغة لا في القراءة تثليت فائها وإبدال ( يائها ) واوا كما هو معروف في محله.
من حيث لا يعلمون أي : من المكان الذي لا يعلمون أنا سنستدرجهم، بل هم يظنون أن تلك النعم مسابقة لهم في الخيرات، وأنهم ينالون بعد ذلك أحسن منه، كما قال جل وعلا : أيسحبون أنما نمدهم به من مال وبنين ٥٥ نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ٥٦ [ المؤمنين : الآيتان ٥٥، ٥٦ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير