ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين حال من يخالفهم فقال : والذين كَذَّبُواْ بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ والاستدراج : هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والدرج : كفّ الشيء، يقال أدرجته ودرجته، ومنه إدارج الميت في أكفانه. وقيل : هو من الدرجة، فالاستدراج : أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبيّ : إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب : طواه شيئاً بعد شيء، ودرج القوم : مات بعضهم في إثر بعض. والمعنى :[ سنستدينهم ] قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك، وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة.
وأخرج أبو الشيخ، في قوله : وَأُمْلِى لَهُمْ يقول : أكفّ عنهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ إن مكري شديد، ثم نسخها الله فأنزل فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كيد الله العذاب والنقمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : ذكر لنا " أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا، فدعا قريشاً فخذاً فخذاً : يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل : إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى أصبح، فأنزل الله : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني